هل بدأ الفراق السياسي بين واشنطن ولندن، وأن الأخيرة قرأت جيداً السلوك الأميركي بتدقيق خاص، وادركت أن مصادر القوة العسكرية الهائلة لم تعد قادرة على هزيمة قوى صغيرة، وأن العالم المتصل عضوياً وجغرافياً من المستحيل عزل أطرافه عن وسطه في متغير العولمة وتداخل المصالح؟
على لسان أكثر من مسؤول بريطاني جاء الاتفاق أنه من غير المنطقي الجري وراء التهور الأميركي، حتى لو بقيت الاستراتيجيات التقليدية بين البلدين قائمة، إلا أن تبدلها يأتي بناءً على واقع جديد، حيث أصبحت مغامرة غزو العراق، وأفغانستان كابوساً خطيراً على الأمن العالمي، وما لم تتوازن السياسات وتتحقق المصالح فإن بيئة التطرف ستضاعف وتزيد من ينتمون لتلك التنظيمات وستنوع أهدافها، ولعل تجاهل القوانين التي تراعي حقوق الجميع وتفرض علاقات أقل توتراً، تبقى مسؤولية دولية يتعاون فيها كل الأطراف..
لقد كانت بريطانيا في حروبها وسياساتها أقل تعرضاً للخسائر لأنها تعي من خلال تجاربها الطويلة ما تشكله أي مغامرة غير محسوبة، وحتى سقوطها في الاعتداء الثلاثي على مصر، كان امتداداً لعصر امبراطوري دخل مراحل أفوله الأخيرة، وكان ساسة تلك المرحلة يعيشون وهم القوة التي لا تقهر، لكن السقوط الأخير في تحالفها مع أميركا أوقعها بنفس الفخ، حيث لأول مرة تصارع قوى تضربها من الداخل، ولا زال يهدد أمنها في الوقت الذي لا نرى هذه المخاطر تتجه بنفس الزخم لألمانيا أو ايطاليا مثلاً..
بريطانيا لديها القدرة على تحديث السياسة الدولية، وصياغة مواثيق وقوانين تتعادل في نسبها بين مختلف القوى، بشرط أن تتقلص أنانيات الغرب، بقطاعيه الأوروبي والأميركي، وبأن ترى دول العالم الفقير، والمقهور بسبب السياسات التي لا تتطابق مع هذه المرحلة بأنها تحتاج إلى معونات وإصلاحات جذرية.
إذ من غير المعقول أن يسود الرعب والفقر، والابتعاد عن شعوب العالم وهمومها في سبيل رفاه قطاع لا يمثل إلا النسب الدنيا من سكان الأرض، وأنه في ظل تنامي الإرهاب وتعدد مدارسه واتجاهاته، فإنه شتلة من الحقل الذي نبتت به عوامل الاستغلال البشع لحقوق الشعوب وإفقارها، وتكريس نظرات لا تزال تفرق بين الجنسيات، والقوميات ومحاربة الأديان أو تشويهها بما لا يتطابق وضرورات الاحتكام إلى المنطق وحريات واستقلال كل شعب، وتحقيق مطالبه وفق ما أثبتته القوانين والشرائع..
وإذا كانت أميركا غير معنية بالشأن العالمي إلا من خلال خدمة مصالحها وتحقيقها، فإن هذا السلوك جعلها تواجه واقعاً رافضاً لهذا التصرف، بل ووضعها في موقع الدولة المكروهة والمدانة أخلاقياً ونظامياً، وهنا بدأ الحس البريطاني يخرج عن تبعيته ويعلن أنه في حالة فراق مع أمريكا حتى لا تدخل في الأنفاق المظلمة في كل ركن من العالم
