الرابع عشر من يوليو عام 1958 كان وما يزال أحد أبرز الأيام الفيصلية المهمة في تاريخ العراق الحديث، بما سبقه من مقدمات عراقية وعربية وإقليمية ودولية حركت دوافع الثورة الشعبية وطنيا وبررت مشاعر التأييد الشعبية لها عربيا، وبما أحدثته من تحولات وطنية وعربية وإقليمية، وما مثلته من شعور بالصدمة وارتباك في الحركة في العواصم الدولية من واشنطن إلى موسكو مرورا بلندن، وشعورا بالبهجة وانطلاق في الحركة في العواصم العربية من القاهرة إلى دمشق مرورا بالرياض.
في صبيحة ذلك اليوم التاريخى صحا الشعب العراقي على صوت من إذاعة بغداد يعلن البيان الأول للثورة.. كان الصوت الذي أعلن للعالم ميلاد الجمهورية العراقية باسم الضباط الأحرار في الجيش الوطني العراقي هو صوت العقيد «عبد السلام عارف» الذي بشر العراقيين والعرب الغاضبين من مناهضة الحكم في بغداد للمشاعر والأماني الشعبية العراقية والعربية، وارتهانه للسياسات البريطانية والأميركية في «حلف بغداد» لتنفيذ المشاريع الاستعمارية ضد حركة الوحدة العربية.
كان هذا الإعلان الذي بشر بجمهورية «الوحدة الوطنية» لكل الأعراق والأديان والمذاهب العراقية وبجمهورية «الوحدة العربية والإسلامية»، يبشر أيضا بجمهورية تلتزم بمبادئ مؤتمر باندونج التي ترفض الانحياز والتبعية وتناهض سياسة الأحلاف الاستعمارية، وجمهورية «شعبية» تبدأ بالقيادة الجماعية الانتقالية في ما سمي «مجلس السيادة» ومؤسسة تشريعية مؤقتة باسم «المجلس الوطني» وحكومة مؤقتة برئاسة العميد الركن عبد الكريم قاسم، وصولا إلى انتخابات شعبية رئاسية وتشريعية ديمقراطية بين الأحزاب العراقية لانتخاب رئيس الجمهورية والهيئة البرلمانية خلال ستة أشهر.
كان هذا الحكم نفسه هو الذي أسقط نفسه بنفسه قبل 14 يوليو عام 58 بسنوات عندما انعزل عن المطالب الوطنية للشعب العراقي في الحرية، ووقف ضد الأماني القومية للشعب العربي في الوحدة بينما كان تيار العروبة هو الخبز اليومي للمواطن العراقي، وعندما صادره نوري السعيد بنفسه إبان العدوان الثلاثي على مصر حين انتظر في طهران مع شاه إيران سقوط النظام التحرري العربي لثورة 23 يوليو في مصر بغارات الطائرات البريطانية والفرنسية على المدن المصرية وزحف القوات الصهيونية عبر سيناء نحو القناة عام 56.
وبينما كانت الجماهير في العراق تغلي غضبا وهي تستمع إلى أنباء الغارات التي دمرت مدن القناة وقتلت الآلاف، كانت الإذاعة في بغداد تتغنى بأغاني الشماتة في استفزاز واضح للمشاعر الشعبية العراقية والعربية وتبشر بسقوط الأحرار، وربما كان ذلك اليوم من أكثر الأيام التي حركت دوافع الثورة لدى الشعب العراقي الذي أصدر فيه حكمه بإسقاط ذلك العهد وأركانه، وتم التنفيذ بعدما توحدت القوى الشعبية العراقية في اتحاد سياسي وطني وبعد أقل من عامين في 14 يوليو 58.
وما أريد أن أذكر به من دروس هذا اليوم سواء من مقدماته أو من نتائجه هو درس التاريخ الذي يحاول أن ينساه أو يتناساه بعض التابعين في العالم من الحكام الذين صموا آذانهم عن سماع صوت علمائهم وحكمائهم ومفكريهم وانفصلوا عن المشاعر الشعبية أو الأماني القومية لشعوبهم ووضعوا أنفسهم في خدمة مخططات ومشروعات القوى الأجنبية والاستعمارية التي تحتل أوطانهم وتعتدي على شعوبهم، أولئك هم الذين يحكمون بأنفسهم على أنفسهم بالسقوط قبل أن تسقطهم ثورات شعوبهم.
أما الدرس العراقي على وجه الخصوص فيؤكد اليوم مثلما أكد بالأمس أن الإساءة للوطنية العراقية بكل مكوناتها، ومعاداة الوحدة العربية بكل دياناتها، ومجافاةالهوية الإسلامية بكل مذاهبها، والتحالف مع الأعداء للعدوان على الأشقاء في أحلاف مشبوهة، والارتهان للمشاريع الاستعمارية للدول الكبرى التي تستهدف تفكيك الأمة ونهب ثروات شعوبها وتمكين الدولة الصهيونية على حساب الوطنية العراقية أو الأمة العربية والإسلامية، ليس له أي مستقبل مثلما لم يكن له أي ماض ولن يكون مصيره إلا السقوط.