كنت ضيفاً على قناة ANN الفضائية مع الدكتور شاكر النابلسي المفكر الليبرالي المعروف وكان سؤال الحلقة: هل الإرهاب يخدم قضايانا؟، وبدا السؤال لأول وهلة سؤالاً سهلاً لكن التأمل جعله عسيراً بشكل غير متوقع، فالإرهاب نفسه ظاهرة تحولت إلى قضية خلافية رغم أن وجه الحق فيه بيِّن إلى حد كبير، فكيف تحول «المحكم» إلى «متشابه»؟ يبدو أن هذا هو السؤال الذي يجب أن يسبق السؤال عن خدمته لقضايانا.
تعد مشكلة تعريف الإرهاب المدخل المستعصي على الحسم في النقاش حول مشروعيته وجدواه فاستخدام «القوة» لتحقيق أغراض سياسية هو بالمعنى الواسع الإرهاب المرفوض أخلاقياً ودينياً وسياسياً معاً، لكن الصراع بين الأقوياء والضعفاء جعل استخدام القوة يخضع لنوعين من ازدواج المعايير، فالأقوياء يمارسون «إرهاب الدولة» ويصرون على أن «الدولة» بوصفها شكلاً تنظيمياً راقياً يحق لها وحدها أن تستخدم القوة لتحقيق أهدافها أو بتعبير أكثر صراحة «مطامعها». وهو نوع مرفوض من احتكار المشروعية الإجرائية والإغفال المعيب للمشروعية القيمية.
على الجانب الآخر فإن الأمم الضعيفة مع عجزها عن حماية أمنها وأحياناً سيادتها على أرضها في مواجهة الدول الأقوى قررت أن تقيم علاقتها بشعوبها على قاعدة معكوسة، فبدلاً من أن تحمي الدولة شعبها قررت أن تحتمي بشعبها، وأن يصبح دورها في المقام الأول إذكاء الشعور الوطني بشكل متطرف عند مواطنيها ليتولوا هم مهمة حمايتها ثم بناء منظومة قيم متدرجة كالدومينو فيها من الادعاءات والأوهام ما لا يقل خطراً عن ادعاءات الدول الأقوى.
فبما أن الدولة مقدسة (وهي في الحقيقة ليست كذلك)، وبما أن وجودها وسيادتها تعبير عن شرف الأمة (وفي الحقيقة فإن مفهوم شرف الأمة هو وهم لذيذ وقاتل في آن)، وبما أن أي مواجهة منظمة دفاعاً عن هذه القيم المقدسة في مواجهة نظامية مع القوى الكبرى الراغبة في الهيمنة أمر محكوم عليه بالفشل، فإن الحل هو في المقاومة الشعبية بأسلوب حرب العصابات.
وعند هذه النقطة يتوارى معيار المشروعية ليحتل معيار الجدوى وحده واجهة المشهد، وتتحول الوطنية من موقف نبيل دفاعاً عن قيم يشعر أنصارها بأنها «مقدسة» إلى ميكيافيللية مرعبة ترى الغاية تبرر الوسيلة وتعيد تعريف أعدائها فتستهدف كل من يؤدي ترويعه أو قتله لترويع الآخرين هدفاً مشروعاً نساء، أطفالاً، مدنين مسالمين، إعلاميين.. ..أما ميدان الصراع معهم فيتسع ليشمل: محطة قطار أو طائرة مدنية أو مجلس عزاء أو قاعة أفراح في فندق،.. ..أما الوسائل فلم تعد مقيدة بأي قيد فلا قيد على الاغتيال وتفخيخ البشر والسيارات والاختطاف.
المثير أن السقوط في هذا المنطق الميكيافيللي بدا مثمراً من ناحية الجدوى، فتخويف الناخب الغربي سيدفعه للضغط على البرلماني الغربي ومن ثم يضغط البرلماني الغربي على صانع القرار الغربي فنتمكن من فرض مطالبنا - التي هي عادلة بالضرورة - ولا حاجة بنا لشرحها والدفاع عنها أمام الناخب أو البرلماني أو صانع القرار، لأنهم جميعاً أعداء لنا ولن ينصفونا إلا تحت تأثير الخوف، تلك هي المنظومة الفكرية والبنية التسويغية التي تقف وراء خيار استخدام الإرهاب، وهي في الحقيقة بنية مليئة بالثغرات فضلاً عن أنها تستبطن مفهوم استخدام الإرهاب لتغيير مسار التاريخ وهو مفهوم أخطر وأشمل من الديباجات التي يتم تصديرها في الإعلام عن القضايا العادلة وحق المقاومة الذي اختلط بالفعل بمفهوم الإرهاب، ولعبت اللغة الديماجوجية دوراً كبيراً في منع المثقفين وأصحاب الرأي من طرح القضية للتقييم من الناحيتين المشروعية والإجرائية خوفاً من اتهامهم في وطنيتهم.
وأول الثغرات في هذا البناء التبريري تصوره أن الأفعال وردود الأفعال ستسير إلى النهاية بشكل آلي حيث هناك رد فعل واحد وحتمي هو الخوف ومن ثم الضغط على صانع القرار الذي هو بالضرورة سيستجيب للضغوط ومن ثم نجبره على سلوك سياسي مغاير. وفي حقيقة الأمر فإن الإرهاب قد أدى إلى تماسك في الجبهة الغربية بشكل غير مسبوق بحيث لم تعد هناك كما كان قبل عقود قليلة مضت خلافات تذكر حول تعريف الإرهاب ومن ثم لم تعد هناك تمايزات جزئية في المواقف الغربية يمكن الاستفادة منها واللعب على تناقضاتها.
من ناحية أخرى فإن جريمة الحادي عشر من سبتمبر استفزت شرائح واسعة من المجتمعات الغربية شعرت بأنها معركة «كسر إرادة» لها ما بعدها وهو ما يفسر إعادة انتخاب كل السياسيين الذين شاركوا في إطاحة النظام البعثي في العراق (أميركا - بريطانيا - استراليا - اليابان) باستثناء اسبانيا التي أطاح تفجير إرهابي رئيس وزرائها اليميني قبل قليل من التصويت ليأتي رئيس وزراء يساري قرر سحب قواته من العراق. ومن جانب آخر فإن عملية (تعليب) الصورة النمطية للإرهاب تراجعت على عكس ما كان يحدث قبل الحادي من سبتمبر بل لعلها المرة الأولى في التاريخ الحديث التي يوجد فيها هذه الدرجة الكبيرة جداً من الاهتمام الغربي الرسمي وغير الرسمي بقضية فهم الإسلام على نحو أفضل، وبالتالي فقد التفسير الآلي القديم تأثيره: هؤلاء مسلمون، والإسلام يأمر بذلك، إذن الإسلام دين إرهابي.
وقد حل محل هذا التصور الظالم تصور آخر أقرب للحقيقة وهو أن استخدام الإرهاب لتحقيق أغراض سياسية هو خيار أقليات ثورية تستخدم الإسلام واجهة وتعتمد على مقولاته في تجنيد الشباب المتدين الغاضب، وبهذا المنطق لم تعد هناك أدنى حساسية دينية عند صانع القرار السياسي الغربي عندما يصر على الذهاب إلى آخر الشوط في مواجهة الإرهاب.
هذا التعبير الرائج الذي صكه الفرنسي تيري ميسان لدغدغة مشاعر أعداء أميركا بترويج أن جريمة الحادي عشر من سبتمبر ليست سوى خدعة أميركية، هذا التعبير سيء السمعة ينطبق في تقديري أكثر ما ينطبق على القول بأن الإرهاب يخدم قضايانا، فهذه هي الخدعة الرهيبة فعلاً. والأهم من الجدل حول الجدوى الوهمية لهذه الجرائم أنها تضللنا عن حقيقة الداء وهو التدني المخيف في كفاءة «الدولة العربية» واضطرارها في النهاية لأن تهرب من معالجة إخفاقها المزري بالاحتماء بالشعوب بدلاً من حمايتها، والبداية هي من مواجهة قصور الداخل قبل مخاطر الهيمنة القادمة من الخارج، وطالما كان بإمكان أقلية صغيرة أن تخوض معارك الأمة من جبال تورا بورا فإن بإمكاننا أن ننام قريري العين ونحن مطمئنون إلى أن النصر قادم! وليت أحداً يتطوع فيقول لنا: ما القضايا التي نجح الإرهاب في نصرتها؟
كاتب مصري