مهما قيل وتردد عن سياسات حسن الجوار والعلاقات الوثيقة بين فرنسا والجزائر باسم القرب الجغرافي والروابط التاريخية والمصالح المشتركة بين البلدين، فإن جروح الماضي وإرث مئة واثنين وثلاثين عاما من الاستعمار لم تندمل تماما.

لم تصبح الجزائر بلداً مثل البلدان الأخرى بنظر الفرنسيين. الدليل بسيط وواضح هو اهتمام وسائل الإعلام الفرنسية المختلفة بزيارة الرئيس نيكولا ساركوزي إلى الجزائر يوم 10 يوليو الجاري وكأنها «المقصد» الوحيد له في المنطقة. كانت زيارة المغرب مقررة عند الإعلان عن جولة ساركوزي «المغاربية» يوم 29 يونيو الماضي، لكنها «ألغيت»، أو بالأحرى «أجّلت» إلى شهر أكتوبر المقبل بناء على طلب المغرب لأسباب تتعلق بـ «الجدول الزمني» للقائمين على الدولة. كانت تلك هي على الأقل الحجة المقدمة، وليس السبب الحقيقي.

لا شك أن الرئيس الفرنسي ذهب إلى الجزائر وبجعبته العديد من الملفات ذات الطابع الاقتصادي خاصة في ميدان الطاقة، بما في ذلك النووية منها. ولكن هذه الملفات «الاقتصادية» رغم أهميتها ليست هي الأكثر إلحاحا في سلّم أولويات نيكولا ساركوزي. ذلك أن مفهوم «المصلحة» هو الذي يحكم ويتحكم بالقرارات غالبا في هذا الميدان.

ولعله تمكن المراهنة، دون الخوف كثيرا من الوقوع في الخطأ، أن مواضيع أخرى هي التي استحوذت على اهتمام الرئيسين الفرنسي والجزائري خلال بضع الساعات التي أمضياها معا. ولا يمكن للقاء على هذا المستوى أن يمر دون أن يتعرض الرئيسان للمسألة «الشائكة» التي تثير الكثير من النقاشات و«الانفعالات» والمتعلقة تحديدا بـ «جراح» الماضي «الغائرة». المقصود هو مسؤولية فرنسا عن الآلام والجرائم التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي طيلة حقبة وجوده فوق الأرض الجزائرية ما بين عام 1830 وعام 1962.

الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة نفسه كان قد وصف تلك الفترة بأنها «أحد أشكال الاستعمار الأكثر بربرية في التاريخ» وشجب «الإبادة المقصودة للهوية الجزائرية». ثم طالب، وكرر الطلب من باريس، بتقديم «اعتذارات رسمية» عمّا فعلته، والتأكيد أنه «لا يمكن الاكتفاء ببعض الإشارات الرمزية لإدانة ما فعله الاستعمار الفرنسي في الجزائر».

على الجانب الفرنسي، ارتسم في الفترة الأخيرة توجه آخر، معاكس تجسد في القانون الصادر في شهر فبراير 2005 والذي يتحدث أحد بنوده عن «المظاهر الإيجابية» للاستعمار. هذا البند أعيد النظر... والعمل به. كان نيكولا ساركوزي وزيرا للداخلية أثناء إصداره بل وكان في طليعة مهندسيه مما أثار ردود فعل عنيفة في الجزائر ولكن أيضا في مقاطعات ما وراء البحار الفرنسية «المارتينيك وغوادلوب وغويانا وغيرها».

وظهرت ردود الفعل تلك بقوة أثناء الزيارة التي قام بها ساركوزي إلى الجزائر، المرشح المحتمل للرئاسة الفرنسية آنذاك، خلال شهر نوفمبر من عام 2006 إذ واجهته الصحافة الجزائرية عندها بحملة انتقادات عنيفة. لقد تجنب ساركوزي آنذاك «الجمل الجارحة» وتحدث عن «الآلام التي عرفتها الجزائر على الجانبين». وبعد أن وقف بـ «صمت» أمام ضريح ساحة الشهداء في الجزائر العاصمة قام بزيارة مقبرة «بولوغين» المسيحية حيث أكد على «ضرورة التمييز بين النظام الاستعماري المسؤول وبين المظالم الكبيرة التي يقترفها البشر».

مثل هذا «الجرح الغائر» لا يمكن أن يلتئم، الا بعد أن يفعل الزمن فعله الشافي، عبر «تناسيه». إنه مثل كل المسائل الصعبة والمعقّدة التي تتمثل الخطوة الأولى في المسيرة الطويلة للخروج من أنفاقها المظلمة في الحديث عنها والاعتراف بوجودها وليس طمسها مثلما تفعل النعامة عندما تضع رأسها في الرمل.

فرنسا مارست سياسة «النعامة» هذه لعقود طويلة حيال ثورة التحرير الجزائرية. بل ولم تعترف الجمعية الوطنية الفرنسية بوجود حرب الجزائر نفسها سوى في عام 1999، إذ كان الخطاب الرسمي لا يتعدى الحديث عن «أحداث» وكأن ما جرى وهزّ فرنسا من الجذور وكان وراء قيام الجمهورية الفرنسية الخامسة عام 1958 لم يكن سوى مجرد «أحداث عابرة».

المهم أن فرنسا «اعترفت» أخيرا، ولم يتردد نيكولا ساركوزي في أن يؤكد عند زيارته للجزائر في شهر نوفمبر 2006 قوله: «الجزائر بلد كبير، وفرنسا بلد كبير. علينا أن نتحدث في جو من الثقة والصداقة كبلدين حرّين وبلدين مستقلّين، وبلدين يكنّ كل منهما الاحترام للآخر». ولكنه لم يتردد في أن يقول أيضا أنه «لا يمكن أن يُطلب من الأبناء الاعتذار عن الأخطاء التي اقترفها آباؤهم». خطوتان إلى الأمام وخطوة إلى الوراء، أو العكس. المهم هناك تقدم أو على الأقل حركة حول مسائل في العمق لا يمكن لرئيسين مسؤولين عدم الخوض فيها إذا أرادا الفعل في مسيرة تاريخ بلديهما وليس مجرّد التعامل مع المظاهر وليس مع مسبباتها العميقة.

لكن التجرؤ على الخوض في عواقب «جرح غائر» أوغل في تعميقه استعمارا استمر 132 سنة لا يعني أن «الحل» هو في نهاية لقاء، أو عشرات اللقاءات بين رؤساء وقادة. ثم إن مواقف الطرفين المعنيين واضحة في تباينها.

فالرئيس نيكولا ساركوزي واضح في رفضه لفكرة «طلب الغفران» من أبناء مستعمرات فرنسا السابقة هذا ما كان قد قاله بوضوح أيضا أثناء مهرجان انتخابي في مدينة «موو» القريبة من باريس قبل أيام من انتخابه رئيسا للجمهورية وجاء فيه: «ينبغي أن لا يخجل الفرنسيون من ماضيهم. وعلينا أن نطوي صفحة الماضي ونتوجه نحو المستقبل». ثم أضاف: «إذا جرى انتخابي رئيسا للجمهورية، سوف أتحمل مسؤولية كل تاريخ فرنسا الاستعماري كي أعيد للفرنسيين اعتزازهم بأنفسهم».

وموقف الجزائر واضح هو الآخر أيضا كما بيّنت تصريحات قمة هرم السلطة ممثلا برئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، الذي كان أكثر قسوة في رده على ما قاله ساركوزي بخصوص الغفران وصولا إلى اتهامه أنه يريد «إعادة الاعتبار لمنظمة الجيش السري» الفرنسية التي ناضلت من أجل إبقاء الجزائر فرنسية. وليس هناك أي احتمال بسيط للتراجع في الموقف الجزائري ضمن الأفق المنظور على الأقل. المعادلة إذن لا حلّ لها... الآن... لكن مع جهود البشر والزمن ربما غدا. ومسيرة ألف ميل تبدأ بخطوة.

وموضوع جوهري آخر و«مثير للجدل» مطروح على اللقاء بين الرئيسين ساركوزي وبوتفليقة. إنه يخص «معاهدة الصداقة» التي دعا لها الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك والتي «خنقتها» التوترات اللاحقة. لقد أكد نيكولا ساركوزي أن «الصداقة ليست بحاجة إلى نقشها على رخام معاهدة»، كما جاء في مقابلة له مع مجلة «جون افريك» مؤخرا.

بالمقابل ما يقترحه الرئيس الفرنسي على الجزائر هو نوع من «معاهدة صداقة مبسّطة»، على غرار «المعاهدة المبسّطة» الخاصة بالاتحاد الأوروبي، وتنص على تعميق التعاون في جميع المجالات البشرية والعلمية الإستراتيجية والصناعية والطاقة على أساس تقديم التكنولوجيا النووية الفرنسية مقابل اليورانيوم والغاز الجزائريين. من الواضح أن الرئيس الفرنسي يريد أن يتخلص من كل تركة الإرث الشيراكي وأن يضع بصماته على «الشراكة» مع بلد «مهم» لفرنسا مثل الجزائر.

وهناك أيضا موضوع حساس وحيوي للبحث دائما، في لقاء الجزائر الأخير، وفي كل اللقاءات بين فرنسا والجزائر، وهو موضوع الهجرة والمهاجرين. يوجد في فرنسا اليوم حوالي مليون ونصف مهاجر جزائري بينهم حوالي أربعمئة ألف يقيمون ويعملون بصورة غير قانونية. هؤلاء المهاجرون خدموا الاقتصاد الفرنسي وساهموا في ازدهاره سابقا وغدوا اليوم بقسم كبير منهم «عبئا» عليه. المطلوب من فرنسا إيجاد حل «صعب» في ظل رفع شعار المحافظة على «الهوية الوطنية» وربطها بالهجرة.

وربما ان الهمّ الأول للرئيس الفرنسي هو أن يدفع إلى الأمام، عبر البوابة الجزائرية، مشروعه حول «الاتحاد المتوسطي» الذي أكّد عليه في الخطاب الأول بعد انتخابه رئيسا. إنه مشروعه ـ حلمه على خلفية تأكيده: إن فرنسا عندما أدارت ظهرها لحوض المتوسط اعتقدت أنها قد أدارت ظهرها لماضيها. إنها في الواقع أدارت ظهرها لمستقبلها. ويبقى كل شيء مرهونا بتجاوز آثار «الجروح الغائرة». وقبل كل شيء الاعتراف بها. ولعل أهمية لقاء الجزائر تأتي من هذه الزاوية تحديدا باعتبارها خطوة على طريق المصارحة. والبقيّة تأتي.

كاتب سوري