يبدو أن هنالك قدراً يطارد كل من يحتل منصب رئيس الوزراء البريطاني، والحقيقة أنه لا يمكن تحديد من يطارد الآخر. هذا القدر اسمه (الحرب). فلو استعرضنا تاريخ بريطانيا منذ وزارة تشرشل سنجد انه كان قد أصيب بهذا القدر حيث ان فترة وزارته هي في الواقع قصة بريطانيا في الحرب العالمية الثانية وتداعيات مرحلة ما بعد تلك الحرب.
ثم جاء انتوني أيدن الذي كان عنصر الربط الرئيسي في التحالف الثلاثي الذي كان قطباه الآخران فرنسا وإسرائيل، والذي شن عدوانه الغادر على مصر عام 1956. أما هارولد ماكملان فانه خاض اتون الفترة الحرجة في الحرب الباردة، وهي فترة نهاية الخمسينات ومطلع الستينات من القرن المنصرم والتي مثلت مرحلة اكبر واخطر التحديات التي واجهها زعماء العالم وخاصة الأزمات الحرجة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.
أما هارولد ولسون فقد شهدت فترة حكمه اندلاع حرب حزيران/ يونيو 1967 وحتى لو لم تكن بريطانيا طرفا في هذه الحرب إلا أنها كانت احد أهم حلفاء إسرائيل واهم ممولي السلاح إليها. خاصة وان ولسون كان يمتلك رؤيته الخاصة للصراع في الشرق الأوسط والتي كانت تنبع من مناصرة مطلقة ودعم وإسناد قيام الدولة الإسرائيلية بالشكل الذي يجعلها قوة إقليمية مسيطرة في المنطقة.
مارغريت تاتشر اختلفت عن أقرانها في أنها لم تر الأقدار تحرك مجريات سياستها، كما إنها غيرت من الاستراتيجية البريطانية التي كانت مثقلة بقيود العظمة والاستعلاء البريطاني الذي كان قد تلاشى منذ سنوات، ولم يعد الكلام أو التحرك في إطاره الا وهما. لذلك فان فترة رئاسة تاتشر شهدت دخول بريطانيا في حروب مهمة مثل حرب الفوكلاند ثم دور بريطانيا في الحرب العراقية الإيرانية، ثم دخول بريطانيا حرب الخليج الثانية كداعم وحليف أساسي للولايات المتحدة هذا الدور الذي استمر خلفاؤها في أدائه جون ميجور وتوني بلير.
توني بلير كان من أكثر تلاميذ تاتشر إخلاصا ولكنه لم يكن أكثرهم ذكاء. منذ بداية ولايته دشن بلير الحرب على أفغانستان وتداعيات الحرب على الإرهاب وصولا إلى الحرب على العراق. بلير التزم طريق تاتشر في السير خلف الاستراتيجية الاميركية أخطأت أم أصابت.
إلا ان تحالفات تاتشر كانت مع ريغان المحنك والثعلب بوش الأب، في حين سوء حظ بلير قاده إلى التحالف مع جورج بوش الابن وبالتالي أضحت ولأول مرة حروب بريطانيا غير مبررة ولا تصب في مصلحة بريطانيا واستراتيجيتها بل ان هذا النوع من الحروب لم يكن ثوب بريطانيا ذات التاريخ العريق والخبرة العميقة في إدارة العلاقات الدولية وإدارة الصراع الدولي بكل أشكاله حتى وصف العديد من الخبراء والمراقبين تدخل بريطانيا في أفغانستان والعراق بأنه تصابي السياسة الخارجية البريطانية وعودة إلى زمن الاستعمار الأحمق، في الوقت الذي يسير الفكر السياسي البريطاني إلى النمو والانفتاح.
بل ان المجتمع البريطاني يختلف عن سائر مجتمعات أوروبا بأنه مجتمع الانفتاح نحو الآخر وقبول الآخر، ألا إن السياسيين البريطانيين يعودون ببريطانيا إلى زمن المخططات السرية وزمن القوة الغاشمة لقمع الشعوب وتفتيت الأمم.
بلير فشل وباعترافه في خياراته السياسية واختار الانسحاب المبكر ليفسح المجال لمنافسه غوردون براون الذي شغل منصبه كرئيس للحكومة البريطانية في واحدة من أحرج مواقف السياسة الخارجية البريطانية. براون دشن منصبه في ذات الوقت الذي تم فيه تهديد الأمن البريطاني في المحاولات الإرهابية التي استهدفت لندن وغلاسغو في الأسابيع الماضية.
أحداث لندن الأخيرة لم تكن الأولى حيث إن تفجيرات لندن السابقة والمحاولات الإرهابية المستمرة هي في الواقع إشارات قوية إلى أن حرب بريطانيا الجديدة ربما ستكون في الداخل هذه المرة وهو خطر سيهدد البناء الأمني والاجتماعي والاقتصادي البريطاني بصورة غير مسبوقة. وبالتالي فان غوردون براون لن تكون مهمته سهلة ولن تكون خيارات حربه كسابقيه خيارات تدور ضمن منظومة من القضايا المعروفة مسبقا والمعروفة نهاياتها كما هي مدخلاتها ونتائجها.
بريطانيا اليوم أمام واحد من اخطر التحديات، ألا وهو التحدي الأمني الذي ينذر بمخاطر غير مسبوقة، والتي هي في الواقع نتاج لسوء التقدير وأخطاء في الاستراتيجية البريطانية لا يتحمل وزرها توني بلير فحسب، بل تتحمل وزرها المدرسة التي أنشأتها تاتشر والتي تقوم على أساس التحالف المطلق مع الولايات المتحدة كعنصر توازن يرجح كفتها أمام كفة أوروبا الموحدة. ولكن هذا التحالف في الواقع جرها إلى حروب ليست في إطار العرف السياسي للإمبراطورية البريطانية.
السؤال الذي يطرح نفسه مع من ستكون حرب بريطانيا الجديدة؟ أم أن استحقاقات الحرب في العراق سوف تستمر في آثارها وظلالها الثقيلة لتطال الحكومة الجديدة ؟أم أن حربا جديدة سوف يصنعها عهد براون ربما ستكون بالمشاركة مع الولايات المتحدة ضد عدو يلوح منذ برهة في الأفق، عدو بات قريبا ومهددا ومتحديا بوسائل غير تقليدية؟.
أو ربما ستكون حرب بريطانيا هذه المرة في الداخل كما يبدو من أحداث بريطانيا الأخيرة؟ وربما ستحاول حكومة براون تدارك الأزمات وإخراج بريطانيا من الحروب والمغامرات الأميركية التي يبدو أن مضارها صارت أكثر من منافعها.
كاتبة عراقية