تضفي النقاشات الساخنة الدائرة الآن في العراق بشأن قانون النفط المرتقب بصيغته المطروحة عاملاً جديداً من عوامل الانقسام والتفتيت في بلاد الرافدين، خصوصاً وأن القانون المزمع نقاشه وطرحه بالبرلمان العراقي يأتي في أجواء من الخوف مع تفاقم الخلاف بشأن مدينة كركوك الغنية بالنفط ومطالبة الفريق الكردي باعتبارها مدينة كردية صافية وعاصمة لإقليم كردستان العراق وتخليصها من مواطنيها العراقيين العرب والتركمان عبر طريقة الترانسفير الى مناطق عراقية خارج حدود إقليم كردستان العراق.

كما يأتي القانون المتعلق بالنفط في صيغته الأولية المقترحة مليئاً بالمثالب التي تعتوره، وهي مثالب تنتقص من سيادة العراق كوطن وشعب، وتنتقص من وحدة ترابه، ووحدة اقتصاده وثرواته، وتفتح الطرق الواسعة أمام التفاوت في التطور الاقتصادي وفي توزيع الثروة والعدالة بين العراقيين، فضلاً عن تعميق الانقسام السياسي والجغرافي، وتالياً في تفتيت العراق بأسره. فالقانون يجيز لحكومة كردستان العراق مثلاً التحكم بصياغة وتوقيع اتفاقات بيع النفط دون المرور عبر الدولة المركزية ودون مرور عوائد النفط للخزينة العامة للدولة العراقية، كما يجيز للحكومة الإدارية في مدينة البصرة وجوارها التحكم بنفط الجنوب العراقي.

وعليه يمكن القول بأن الخطوط العريضة لمشروع قانون النفط تأتي منسجمة ومتناغمة مع ارادة الاحتلال ومشروعه الأساسي في غزو العراق، تجاه مايسمى « إعادة تأهيل العراق » وبناؤه من جديد بفاتورة إعمار باهظة تقدرها المصادر الأميركية بما يفوق الـ 400 مليار دولار أميركي، وهي الفاتورة التي حصدت واشنطن النصيب الأكبر فيها من بين دول العالم التي شاركت واشنطن في عدد القوات الأجنبية المتواجدة على أرض العراق بعد احتلاله.

وعليه، يمكن القول بأن قانون النفط يمثل في حقيقة الأمر المسودة الأساسية المقدمة من كارتل النفط الأميركي الذي يتزعمه نائب الرئيس ديك تشيني، الذي طالما اعتبر العراق «بالوعة للنفط» لا أكثر ولا أقل. وهنا نستطيع القول بأن قانون النفط العراقي يخدم المسعى الأميركي للاستفادة القصوى من غنائم ما بعد حرب الأمر الواقع، واقتسام ثروات الشعب العراقي، واستكمال بلورة المؤسسات التي يجري إعادة بلورتها الآن وفق ما يخدم الأهداف النهائية المرسومة لمشروع الغزو برمته.

فالعراق بثرواته الكامنة يشكل من الوجهة الأميركية «بقرة حلوبا» يسيل معها لعاب ديناصورات البيت الأبيض، ويمثل «البالوعة» التي تندلق أمامها شهية مؤسسات الكارتل النفطي التي يشارك بها الرئيس بوش ذاته، فضلاً عن ديك تشيني وكوندوليزا رايس وباقي المجموعة القابضة على سلطة القرار التي تعتقد بأن من «سيدير العراق» أو يمسك بمقاليد الحكم فيه سيدير في الوقت ذاته نفط العراق وعملية تسويقه وعلاقاته التجارية.

وسيكون بإمكانه عندئذ أن يقرر بقدر كبير كيف ستبدو حال منظمة الأوبك وسياساتها السعرية وتالياً في التحكم الكبير بعامل هام من عوامل اقتصادات العالم، وهو العامل الذي سينعكس بالضرورة بنتائجه المباشرة على العامل السياسي الذي تسعى من خلاله الإدارة الأميركية لبناء استراتيجيات وسياسات من العولمة الابتلاعية الجديدة، هذا اذا علمنا بأن العراق يضم في جوف أراضيه ثلث الاحتياطي المكتشف من النفط في العالم بأسره، بل وتقول بعض المصادر العلمية بأن آخر برميل نفط منتج من جوف الأرض سيكون من ارض العراق.

في هذا السياق، يمكن للمتابع أن يلحظ اتساع الهوة بين مختلف الأطراف العراقية بشأن قانون النفط، فجبهة التوافق العراقية التي تمثل في غالبيتها سنة العراق اعتبرت بأن مجرد نقاش القانون سينعكس سلباً على الوضع الداخلي وسيولد المزيد من الانفجارات التي تهدد وحدة العراق أرضاً وشعباً، وعلى هذا الأساس علقت جبهة التوافق مشاركتها في البرلمان والحكومة، ومن المتوقع أن تبادر قوى عراقية إضافية للسير على ذات الموقف الذي أعلنته جبهة التوافق.

ان مستقبل العراق، وفي ظل الحراك السياسي الداخلي غير الناضج بين أطراف المعادلة العراقية، ومع تفاقم الفلتان الأمني من جهة، وتواصل المقاومة ضد قوات الاحتلال من جهة ثانية يمر بلحظات حرجة تستدعي من جميع العراقيين إعادة الاعتبار للوحدة الوطنية والتراص من أجل وحدة العراق ورفض عمليات التفتيت المقصودة الجارية الآن بشكل أو بأخر. فبديل الوحدة سيكون انقساماً مدمراً على العراق وشعبه وكافة البلدان المحيطة به.

كاتب فلسطيني