في صيف العام 2003، كنت برفقة العائلة وعشرات الأصدقاء وعائلاتهم في لبنان وكان المشهد يبدو أقرب إلى حلم. هل صحيح أننا في لبنان؟ كنا نتساءل لان مظاهر الحياة والغرق في البهجة كانت اكبر من أن تصدق، لكن الأرقام كانت كافية: أكثر من مليوني سائح عربي زاروا لبنان في ذلك الصيف.
كانت أعداد السيارات الفخمة التي تجوب شوارع بيروت والبلدات الجميلة في الجبل اكبر من تلك التي تجوب مدن الخليج، وكانت مقاهي ومطاعم بيروت وبلدات الجبل تغص بالآلاف يوميا من اللبنانيين والسياح العرب، وكان اللبنانيون قد استعادوا ما نسوه طيلة سنوات الحرب والتوتر: نشاط سياحي وفني وترفيهي وتسويق لا مثيل له، واستعادت المواقع الأثرية العديدة في لبنان زوارها، وراحت كل بلدة لبنانية تنظم مهرجانات التسوق والسياحة الخاصة بها، وكان من الواضح أن اللبنانيين استعادوا الفن الذي برعوا فيه أكثر من غيرهم: التجارة والفنون بكل أنواعها.
لكن ذلك كله دفعني للتساؤل: هل سيتركون اللبنانيين لشأنهم؟ استعيد هذا السؤال في الوقت الذي يستعيد اللبنانيون هذه الأيام وقائع حرب الصيف الماضي وهم غارقون في انقسام سياسي عميق، فيما المخاوف من تفجر مواجهة داخلية جديدة تخيم على لبنان تكون جزءاً أو شرارة لمواجهة إقليمية اكبر، ساحاتها المحتملة عديدة: فلسطين، العراق أو الخليج.
لكن الانقسام اللبناني يدفعنا لاستعادة سؤال مهم: لماذا تبدو الأزمات الداخلية هي قدر لبنان؟ فقبل أن يكتمل العام على العدوان الإسرائيلي في يوليو من العام الماضي، خرج لبنان من أزمة أخرى في الشمال بعد ان قضى الجيش اللبناني على تنظيم «فتح الإسلام» في مخيم نهر البارد. وتبدو أزمة نهر البارد بكل يومياتها وتفاصيلها والسيناريو الذي سارت فيه عرضاً جانبياً في أزمة سياسية تحكم لبنان منذ صيف 2006.
وهذه الأخيرة جاءت أيضاً لتتوج انقساما بدأ منذ اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري وانسحاب القوات السورية من لبنان. وفي كل الأحوال لا يبدو الاستنتاج بأن عنصر التأزيم الأساسي في الوضع اللبناني هو عنصر خارجي، كافيا لتقديم تفسير لهذا الوضع الذي يجعل الاستقرار في لبنان هشا إلى الحد الذي تطيح به أي أزمة صغيرة أو أزمة من خارج الحدود.
هشاشة الوضع اللبناني تطرح سؤالا آخر: لماذا تبدو الدولة اللبنانية ضعيفة إلى هذا الحد؟ إذا كانت الجغرافيا السياسية هي التي وضعت لبنان تحت رحمتها منذ نشأته، وحكمت دوما حركته السياسية وافقها، فان هذا يلقي على اللبنانيين مسؤولية أساسية، وهنا نأتي بالضبط إلى الكيفية التي تعامل بها اللبنانيون مع مسألة أساسية في تاريخهم: نوع الدولة التي يريدون.
لقد ظل لبنان واقعا تحت التأثير القوي للأوضاع الإقليمية منذ استقلاله. فعدا كل تأثيرات الصراع العربي الإسرائيلي باعتباره (لبنان) دولة مواجهة، وصل هذا العامل ذروته مع وجود منظمة التحرير الفلسطينية ومئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين على الأراضي اللبنانية.
وكانت معادلة الحفاظ على الاستقرار بالمعنى الأشمل للكلمة (تنمية وازدهار اقتصادي) ودولة قوية في ظل حرب تحرير تخوضها منظمة التحرير الفلسطينية في الوقت نفسه، أمرا غاية في الصعوبة ويفوق طاقات لبنان. السبب ان هذا الوضع لا يترك خيارا سوى المفاضلة بين أداء دور قومي في مواجهة إسرائيل بما يعنيه ذلك من دعم شامل للفلسطينيين في حركتهم ضد إسرائيل بما فيها المواجهة العسكرية (حرب عصابات، إطلاق صواريخ، عمليات فدائية) بكل تبعاتها، وبين ترك هذا كله، أي ترك الدور القومي والإشاحة عنه.
لقد اختبر اللبنانيون هذا الصراع، والتفسير الأهم للحرب الأهلية في نسختها الأولى عام 1958 ونسختها الثانية الطويلة في 1975 هي أنها كانت صراعا بين هذين الخيارين وكان من الواضح أن الانقسام اللبناني حيال هذا عميق جدا. لنتذكر أن أهم مفردات الهجاء السياسي التي أطلقت والتصقت بالجانب المسيحي في الحرب الأهلية اللبنانية هي مفردة «الانعزاليين».
عنصر التأثير الآخر والاهم في العامل الخارجي هو سوريا بالتأكيد. البداية هنا تأتي من تفسير السوريين أنفسهم لعلاقتهم بلبنان التي تبدأ بعبارة من قاموس الجغرافيا السياسية: لبنان هو خاصرة سوريا الرخوة. بعبارة أخرى لبنان هو نقطة ضعف استراتيجية بالنسبة لسوريا.
كان من الممكن لهذه الحقيقة الجغرافية أن تترجم سياسيا على أكثر من شكل، أي أن قوة لبنان قوة لسوريا. وكانت قناعة من هذا النوع كفيلة بان تحدد جدول أعمال سوريا في لبنان: دعم لبنان عسكريا مثلا لا بنشر قوات سورية فيه بل بتقوية الجيش اللبناني وتعزيز الاستقرار السياسي فيه. لكن المشكلة ان الأمنيات ليست هي التي تحدد خيارات السياسة. فعناصر الضعف تبدو أصيلة في الوضع الداخلي اللبناني والإنفاق على الشؤون العسكرية وتعزيز موازنة الدفاع مثلا في الستينات والسبعينات من القرن الماضي كان من الممكن ان يستفز الإسرائيليين بدرجة اكبر من السوريين فيعمدون الى قلب المعادلة وتحويل لبنان الى بلد مواجهة على غرار مصر التي لم يتركوها تبني جدار الدفاع الصاروخي بسهولة، بل تحت وطأة القصف اليومي في العمق المصري.
لم تقم الدول العربية بتقديم عروض للبنان في هذا الصدد مثلا، ومن المحتمل ان الزعماء اللبنانيين كانوا إما مترددين او رافضين لمثل هذا الخيار، أي أنهم بعبارة أخرى ظلوا أسرى الانقسام الأصلي الذي أشعل الحروب الأهلية في لبنان. وفي مزحة سياسية معبرة قال الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر وهو يحاول إقناع الرئيس اللبناني الراحل شارل حلو بقبول الوجود الفلسطيني في لبنان واتفاقية القاهرة: «ربما تستفيدون من اموال الدعم العربي من دول الخليج».
لكن سوريا وهي تتصدى لإحدى حقائق الجغرافيا السياسية لعبت دورا يتجاوز حماية «خاصرة سوريا الرخوة»، وبدت مهمة تقوية الدولة في لبنان مهمة تسير ببطء شديد وغير مبرر في الكثير من الأحيان، والتفسير الأهم لهذا هو ان سوريا كانت تريد إبقاء ميزان الضعف في لبنان: أن لا تقوى طائفة على أخرى ولم يكن ذلك سوى استبدال تاريخي لمهمة استراتيجية هي بناء دولة وطنية تملك عناصر القوة التي توفر لها حصانة أمام الهزات من اي نوع. هذه مهمة استراتيجية غفل عنها السوريون طيلة فترة وجودهم في لبنان لأنهم غرقوا في الوضع اللبناني نفسه وحددوا دورهم بناء على عوامل الانقسام اللبناني الداخلي العميق الذي يعبر عنه بقوة «نظام المحاصصة الطائفية».
ها قد وصلنا إلى مسؤولية اللبنانيين، فعلى الرغم من كل الهجاء الذي تعرض له نظام المحاصصة الطائفية من قبل اللبنانيين أنفسهم وعلى الرغم من كل الكوارث التي نتجت عن هذا النظام، فان اللبنانيين أنفسهم مطالبون بمواجهة هذا السؤال الممض: لماذا تبقى الدولة اللبنانية ضعيفة الى هذا الحد في لبنان؟ ومتى بإمكانهم أن يكونوا في وضع أفضل قليلا في مواجهة تأثيرات الجغرافيا السياسية؟
في الصيف الماضي، اكتشف اللبنانيون كيف ان حزباً واحداً يمكن ان يحل مكان الدولة وينافسها في دورها، الى الحد الذي تحول فيه الصمود في وجه العدوان الإسرائيلي الى سبب للتأزم الداخلي لا العكس. وعلى مشارف هذا الصيف، اكتشفوا كيف ان حفنة من الأشخاص المسلحين بالرشاشات والقنابل والمتحصنين في مخيم للاجئين بإمكانهم ان يفجروا الوضع اللبناني والإقليمي أيضاً. على اللبنانيين ان يتساءلوا الآن عن قدرهم هذا.
كاتب بحريني