هكذا هي الدنيا نستقبل من يأتون إلى دنيانا ونودع من يرحلون إلى غيرها، وشتان بين الاستقبال والوداع بما يخلف في نفوس المودعين من ألم وشجن. أستميح القراء الأعزاء اليوم في الحديث عنه، ليس كحالة خاصة بل عامة يعيشها كل من يفقد عزيزاً ليجد نفسه محاطاً بكم من الأحزان والآلام لا يخفف من وطأته سوى ما يلهمه ربه من الصبر والسلوان وما يمنحه الأصدقاء والأحبة من حب صادق وفيض المشاعر في مواقف حالكة.

لتصبح تلك المشاعر وتلك الوقفة بمثابة الزاد الذي يغنيهم في رحلة الحزن ويقوي من عزيمتهم ويشد من أزرهم في لحظات يكون المرء أحوج ما يكون إلى لمسة حانية وصدر يرتمي فيه فيلقي ما في نفسه من هموم ويفرغ ما فيها من أحزان عميقة وكبيرة، لتصغر وقد بدت كالأوتاد ارتفاعا وضخامة. في مجالس العزاء التي لا أتمناها لأحد تبرز بجلاء صور ومواقف.

ربما لا تكون واضحة أحياناً لكن في مثلها تصبح مثل الشمس التي لا يخطئها أحد، حين تجد من اعتقدت أن الأيام قد باعدت بينك وبينه وأنسته جيرة أو طفولة جمعت بينكما يوما وقد جاء يواسيك ويضمك في صدره ويشاطرك ما تمر به من حزن وألم الفراق. تظهر بوضوح عادات أهلنا في مجتمع يتداعى فيه سائر الجسد بالسهر والحمى لو اشتكى عضو واحد فيه.

لتقصر المسافات البعيدة ويتوقف الزمن عند لحظة يسعى كل من فيه لأن يبذل ما في وسعه ويعطي ما لديه من أجل التخفيف عن الآخرين، وهي أسمى ما نحرص عليه وأنفس ما نحافظ عليه في زمن نشكو فيه من سيطرة المادة على العلاقات، وفي خضم ما نشهده من طغيان الأنانية على سواها مما يحكم بين الناس.

لا غرو في كل ذلك لأننا مفطورون على الخير ومجبولون على المؤازرة عند الشدائد وغيرها، لكني أجد نفسي مأسورة بما احتواني به الأصدقاء من قراء وغيرهم من حب وما أبدوه من مشاعر نبيلة، لأقف وقفة امتنان وشكر حيال كل من شاطرني أحزانا عشتها والعائلة على فقيد عزيز رحل عن دنيانا من غير وداع وخلف غيابه في نفوسنا أحزانا عميقة هزت كياننا واقتلعت جذورا كانت في حياة الفقيد تمثل الحصن والأمن.

موقف سبب غياب هذه الزاوية لأيام رغما عني، ووجدت صعوبة بالغة في التواصل مع قراء أحبهم وأعتز كثيرا بمتابعتهم لي فآثرت التحجب لأيام أكون قد استعدت توازني حتى أكون في نظرهم كما ألفوني وعند حسن ظنهم بي. حقا لا تسعفني الكلمات للتعبير عن المشاعر الطيبة التي أحملها للجميع، أو الإعراب للبوح عن كم التقدير الذي أكنه لكل من كان معنا في محنتنا، فكل ما أستطيع قوله هو شكرا لمن شاركنا أحزان الرحيل ولا أراكم الله مكروها يا أغلى الأحبة.

fadheela@albayan.ae