فشلت قمة الاتحاد الإفريقي الأخيرة في العاصمة الغانية أكرا في تجسيد أحلام الزعيم الليبي معمر القذافي المتعلقة بإنشاء الولايات المتحدة الإفريقية بخمس عشرة وزارة. الإعلان النهائي للقمة أشار إلى إحالة الموضوع على أربع لجان لتقديم تقاريرها للجنة تتكون من رؤساء دول لتقدم بدورها التوصيات اللازمة في القمة القادمة للاتحاد الإفريقي.

هل يمكن الكلام عن الاندماج الإقليمي والتكامل الاقتصادي في قارة ما زالت تعاني من ويلات الحروب والنزاعات الداخلية في العديد من دولها؟ جمهورية الكونغو الديمقراطية فقدت أكثر من 3 ملايين شخص منذ اندلاع الحرب الأهلية فيها سنة 1998، أكثر من 400 ألف شخص راحوا ضحية النزاع في دارفور منذ 2003، في أوغندا أكثر من مليوني شخص شُردوا وأُرغموا على العيش في تجمعات للاجئين خلال العشرين سنة الماضية.

في بورندي أكثر من 300 ألف شخص قُتلوا منذ اندلاع الحرب في سنة 1993. كما توجد نزاعات وصراعات بين اريتريا وإثيوبيا وبين شمال وجنوب ساحل العاج، وكذلك الحال بالنسبة للمناطق الغنية بالنفط في جنوب نيجيريا وفي جمهورية الكونغو كما أفرزت مشكلة دارفور مشكلات مست تشاد، كما لا ننسى مشكلة الصحراء الغربية ومشكلات ونزاعات أخرى عديدة معظمها من ترسبات ومخلفات الاستعمار.

قمة أخرى من قمم الاتحاد الإفريقي هذه المرة في العاصمة الغانية أكرا لدراسة وبحث مشكلات القارة السمراء وإمكانية التجمعات الاقتصادية والاندماج الإقليمي وإنشاء الولايات المتحدة الإفريقية.

الاتحاد يواجه تحديات كبيرة جدا تتمثل في النزاعات التي تجتاح الصومال والسودان وقضية الصحراء الغربية. هل تتمكن القارة السمراء هذه المرة من تحدي الصعاب والمشاكل والعراقيل وتضع الأسس لاتحاد إفريقي على شاكلة الاتحاد الأوروبي بسوق اقتصادية قوية وبرلمان ومحكمة عدل إفريقية ومجلس وزراء وبنك مركزي وصندوق نقد وغيرها من الأجهزة التي من شأنها أن تقضي على التناقضات والثغرات العديدة والمختلفة التي تزخر بها القارة السمراء، تلك القارة التي تنعم بخيرات عديدة وفي نفس الوقت يتفشى فيها الفقر وينتشر فيها الجهل والإيدز والحروب الأهلية والرشوة والفساد المالي والإداري.

هل سيستطيع الأفارقة أن يكونوا جهازا قويا وفاعلا لتخطي الصعاب ومواجهة التحديات الجسام التي لا ترحم ولا تشفق على الضعيف والفقير؟

سؤال يحتاج إلى دراسة متأنية ومستفيضة لأن الأمر لا يتعلق هنا بالقمم والمؤتمرات والاجتماعات والتوصيات بقدر ما هو بحاجة إلى جدية في الطرح وموضوعية في الأهداف ومنهجية في العمل.

الأمراض والأوبئة، الفقر، الأمية والحروب، الرشوة والفساد المالي والإداري والأنظمة الدكتاتورية والسلطوية والشمولية التي تتوالى وتتنافس على السلطة من أجل المصالح الخاصة والتحالف مع القوى الخارجية تلك هي الخصائص التي تتميز بها القارة السمراء في بداية الألفية الثالثة.

في الخمسينات وعندما بدأت رياح الاستقلال تهب على القارة السمراء كان الجميع يستبشر خيرا بمستقبل زاهر وناجح للأفارقة خاصة وأن القارة تتمتع بخيرات وثروات هائلة وأن خروج الاستعمار منها سيفسح المجال لمشاريع التنمية والتطور والازدهار. خمسة عقود مرت على استقلال معظم دول القارة ومازالت الأمور على حالها بل ساءت وتعفنت حيث الحروب والصراعات والنزاعات الداخلية، الأمراض والأوبئة والجوع والفقر والأمية والقائمة طويلة.

إذا قرأنا بعض الإحصائيات الخاصة بإفريقيا نجد أن ما يزيد عن 20 دولة إفريقية متورطة في حروب ضد بعضها البعض سواء كانت أهلية أو نزاعات داخلية أو بين أكثر من دولة وهنا نلاحظ تورط دول أخرى مجاورة أو صديقة أو عدوة في دعم تلك الدولة أو الوقوف ضدها. هذه الحروب تسببت في العشرية الأخيرة في مقتل 3 ملايين نسمة وتهجير 28 مليونا تحولوا إلى لاجئين. أما بالنسبة للأمراض فالإيدز لوحده يقضي على أكثر من مليون إفريقي سنويا وهناك حاليا 32 مليون إفريقي مصابون بالفيروس.

فالقارة السمراء تزداد أوضاعها سوءا سنة بعد سنة بسبب القيادات الدكتاتورية والعسكرية التي تحكمها والتي تتواطأ مع رأس المال الأجنبي في ابتزاز الثروات الوطنية بأبخس الأثمان، وبسبب الحدود التي خلّفها الاستعمار من ورائه وهي بمثابة قنابل موقوتة.من جهة أخرى نلاحظ التجارة أو التبادل غير المتكافئ والاستغلال البشع للدول الصناعية للقارة السمراء من خلال نخبة موالية وعميلة للغرب، إضافة إلى الرشوة وسوء التسيير والإدارة العقيمة.

قمة أكرا تثير عدة تساؤلات تتعلق ببناء وتفعيل المؤسسات والآليات التي تضمن لهذا الجهاز الجديد النتائج المرجوة و التي تضمن له النجاح في مهامه وأهدافه ومشاريعه. هل حققت الاتحادات السابقة في القارة على المستوى الجهوي أهدافها؟ هل حقق الاتحاد المغاربي أو الاتحادات الأخرى في شرق وغرب القارة الإفريقية الأهداف التي جاءت من أجلها؟

هل الأنظمة السياسية في القارة قائمة على أسس ديمقراطية واحترام حقوق الإنسان؟ هل المجتمع المدني قائم وموجود ويلعب دوره في صناعة القرار؟ ماذا عن المجتمع السياسي والأحزاب السياسية هل هي موجودة وإن وجدت هل من دور لها؟ ماذا عن الاقتصاد وأجهزته وآلياته؟ ماذا عن التبادل التجاري والتكامل الاقتصادي بين دول القارة؟

تساؤلات عديدة تطرح نفسها للتأكد من توفر مستلزمات النجاح حتى يستطيع الأفارقة الكلام عن الولايات المتحدة الإفريقية. الأمر إذن لا يتعلق بتوصيات وبيانات أو بأحلام بقدر ما يتعلق بموضوعية وواقعية خاصة وأن بعض الدول الإفريقية بدأت تفقد حتى المقومات الأساسية للدولة.

سؤال آخر جوهري يطرح نفسه هو هل الدول الإفريقية الـ 53 متفقة ومستعدة ومقتنعة بفكرة الولايات المتحدة الإفريقية وجاهزة لتفعيل آليات هذا الكيان الجديد أم أن هناك اختلافات وتعارضا في الرؤى والإستراتيجيات والمصالح؟ وهل أن بعض الدول أو معظم الدول غير مقتنعة بالفكرة أساسا؟

قمة أكرا انعقدت في ظروف صعبة تمر بها القارة السمراء والتحديات التي يواجهها الاتحاد كثيرة ومتشعبة ومن أهمها على سبيل المثال الحروب والنزاعات القائمة في القارة. المشكل الكبير الذي يعاني منه الاتحاد مثله مثل جامعة الدول العربية وعدد كبير من المنظمات القارية والإقليمية هو البعد الاقتصادي الإستراتيجي الذي يمثل حجر الزاوية لأي عمل تنظيمي مؤسساتي وقاري.

التكتلات الناجحة اليوم على المستوى الدولي أو الجهوي أو القاري هي تلك التكتلات التي وضعت الشعارات السياسية الرنّانة في رفوف المتاحف وراحت تركز على البعد الاقتصادي والمؤسساتي، والتكتلات الفاشلة كجامعة الدول العربية ومنظمات أخرى كثيرة ما زالت عاجزة على إقامة تعاون اقتصادي متين يدعم العلاقات والروابط الاقتصادية بين الدول الأعضاء قبل العلاقات السياسية.

تعاني معظم الدول الإفريقية من انعدام الشرعية السياسية كما تعاني كذلك من انعدام مجتمع مدني ومشاركة سياسية واسعة، والنتيجة في نهاية المطاف هي انعدام الثقة بين الحاكم والمحكوم وغياب القرار السياسي الرشيد والناجح وهذا ينعكس بالسلب على الأداء العام في المجتمع.

فالقارة السمراء تشتهر على المستوى العالمي بانقلاباتها العسكرية وكذلك بعدم استقرار أنظمة الحكم فيها، كما تشتهر بالرشوة وبضعف الإدارة والتخطيط الاستراتيجي. فانعدام الثقة بين الحاكم والمحكوم وانعدام هيبة الدولة وانعدام المجتمع المدني وكذلك الثقافة المؤسساتية كلها عوامل تعيق الرشادة وتؤدي إلى انعدام الأداء المسؤول والفعال والمستمر والمتطور. فالقارة السمراء تعتبر من أغنى القارات في العالم ومن أفقرها في نفس الوقت.

إن التحدي الكبير الذي يواجه الاتحاد الإفريقي اليوم هو العامل الاقتصادي، وما يهم رجل الشارع الإفريقي بالدرجة الأولى هو توفير لقمة العيش اليومية. فالوحدة الحقيقية تقوم على أسس ثقافية، اجتماعية، سياسية واقتصادية ولا تعتمد على الشعارات الجوفاء والتوصيات والقرارات التي لا تخرج في غالب الأحيان من قاعات الاجتماعات.

الاتحاد الإفريقي بحاجة إلى انطلاقة جديدة تعتمد على الواقعية والفاعلية والتأقلم مع معطيات النظام الدولي الجديد وتحديات القرن الحادي والعشرين. التحدي كبير والمسؤولية أكبر، فهل حان الوقت لمراجعة الذات والتعلم من الأخطاء وتصحيحها وإيجاد موقع للقارة السمراء في خريطة العالم المعولمة؟

الأمر يتعلق بتحرير الفرد الإفريقي وتكريس الديمقراطية في أرض الواقع والاستغلال الرشيد للخيرات والثروات والإمكانيات التي تزخر بها القارة السمراء. فالولايات المتحدة الإفريقية لا تتحقق إلا عن طريق الديمقراطية والرشادة الاقتصادية والمجتمع المدني وحرية الفكر والرأي وتحرير الفرد الإفريقي حتى يبدع وينتج ويستغل طاقاته على أكمل وجه ليحول الحلم إلى واقع.

كلية الاتصال ــ جامعة الشارقة