بدأ أنصار عضو الكنيست المستقيل عزمي بشارة حملة غريبة وعجيبة ضد الشاعر محمود درويش لمناسبة إحيائه الأمسية الأولى المقررة في حيفا في منتصف هذا الشهر، ولا اعرف حتى الآن سبباً للهجوم البري والجوي وعبر الانترنت الذي تضمن مقالات وملصقات تستهزئ بالشاعر الكبير الذي بات معلماً ثقافياً فلسطينياً في العالم مع نخبة من المفكرين الفلسطينيين الذين أثاروا إعجابا وجدلاً في العالم مثل ادوارد سعيد وهشام شرابي.

ولعل ثمة آفة أصابت الفلسطينيين حتى باتوا يستكثرون على أنفسهم بزوغ نجم من صفوفهم وباتوا لا يطيقون صبراً على ذلك فقد تعرض ادوارد سعيد ذات سنة لانتقاده اتفاقات أوسلو لهجوم شرس من دعاة ثقافة وجهلة حتى ان بعضهم أمر بجمع كتبه من المكتبات في الضفة الغربية وانحرافها.

وكتبت في حينه مندداً بهذا الإجراء الجاهل الذي اتخذ لإرضاء السياسي على حساب المفكر، والآن يحاول السياسي عزمي بشارة أن يحارب الشاعر محمود درويش بالإيعاز لأنصاره في حزبه بإصدار ملصقات تتطاول على الشاعر الذي لم يستقر في حيفا ولا مسقط رأسه البروة حتى الآن بل استقر في رام الله منذ عودته مع قيام السلطة الوطنية ولم يقم درويش لا علاقات سياسية مع السلطة او غيرها وكنت أعجب عندما أزوره لانه لا يزور عرفات وكنت استغرب عندما نأتي على سيرته في مكتب عرفات ان عرفات يسألنا عن أحواله.

ظل درويش على مسافة من السياسي واستقال من عضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير لأن المثقف وإن كان يفقه في السياسة أكثر من السياسي إلا انه يربأ بنفسه عن ممارسة السياسة ابتعاداً منه عن رذالتها لكن البعض يحاول الآن ان يحط من شأن معلم ثقافي فلسطيني بات شخصية عالمية، فمن العيب ان توزع ملصقات بصورة درويش وتحتها كتب الجهلة (أحن الى خبز ايرز وقهوة جريج) او (سجل أنا عربي وثمن بطاقتي خمسون شيقلاً) في إشارة إلى سعر تذكرة الدخول إلى الأمسية الشعرية التي سيحييها الشاعر درويش لأول مرة في حيفا بدعوة وتنظيم من حزب الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة ومجلة مشارف الثقافية.

الحالة الدرويشية حالة فريدة، فالشاعر ينأى بنفسه عن المناكفات ويعيش عالمه الخاص، له اصدقاؤه وجلساته وأماكنه ومدنه وأهمها بيروت، يرفض العطايا والهدايا ويعيش من نتاج شعره وجوائزه ودواوينه. سقط المطر لمدة ثلاثة ايام في عمان وهو منزو في شقته دون ان يعلم ان السماء تمطر حتى زاره أحد أصدقائه. ويختفي في شقته في رام الله ليظهر مع أصدقاء يلعب الطاولة او يراقب لاعبيها، ثم في مركز السكاكيني حيث يستقبل ضيوفه ويطالع الصحف ويسمح بالتدخين أحياناً رغم مرض القلب الذي أصابه. هو شاعر يعيش اللحظة الشعرية الطويلة التي لا تنقطع.

قبل أنصار بشارة وحملتهم على درويش كان ثمة بعض القاصرين في غزة وغيرها يحاولون النيل من درويش وكأن الصعود إلى قمة العالمية محظور على الفلسطينيين، ولهذا كثرت ظواهر تحطيم الرموز في الساحة الفلسطينية، مثل تفجير تمثال الجندي المجهول في غزة من قبل حماس لأنه أقيم في زمن جمال عبدالناصر المكروه من الإخوان المسلمين، وتحطيم رمزية عرفات ومقره في غزة، ومصادرة كتب ادوارد سعيد من قبل، اذ ان ثمة آفة فلسطينية يمكن وصفها بالتدمير الذاتي، ففي الاغتراب اذا شوهد فلسطيني ناجح وجد فلسطيني آخر يحفر له ويتحالف حتى في العمل مع من يناصبونه العداء.

ولعل هذه الحملة على درويش ليست الأولى ولن تكون الأخيرة فثمة حملات أخرى شنت عليه في بعض الدول العربية تريد إنزاله من عليائه الشعرية وإخراجه عن مساره الثقافي ليتعاطى مع خزعبلات ينأى بنفسه عنها.

اتركوا الشاعر في شعره فهو حر..

وسقطت قربك فالتقطي

واضرب عدوك بي

فأنت الآن حر

حر وحر..

مازالت قريته على بعض حالها، وفيها مدرسته القديمة التي اعشوشبت حديقتها ودرس لوحها الأسود الذي التمست عيناه منه الأبجدية، وزارها شعرا وقال:

سلم على بيتنا يا غريب

فناجين قهوتنا لا تزال على حالها

هل تشم

أصابعنا فوقها؟

هل يستكثرون على الشاعر عودة ليقرأ عن لوحه الأسود أبجديته الأولى وطفولته، ويشرب قهوته؟

هرب محمود درويش ذات سنة من الاحتلال بشعره.. وعائد الى حيفا بشعره، هل يقرأ أنصار بشارة الشعر؟

hafezo@yahoo.com