تفعيلا للمبادرة العربية لحل الأزمة اللبنانية، وإصرارا من الأمين العام لجامعة الدول العربية على مواصلة التحرك العربي للتوصل لأسس لحل الأزمة تتوافق عليها الأطراف اللبنانية بالتنسيق مع الأطراف العربية والإقليمية والدولية المتصلة بالشأن اللبناني، تحرك عمرو موسى من القاهرة باتجاه الرياض ودمشق حيث تكمن مفاتيح حل الأزمة في الطرف العربي، تكاملا مع تحركات أخرى في عواصم أخرى حيث تكمن المفاتيح الأخرى للحل في الطرفين الإقليمي والدولي.
ويأتي هذا التحرك العربي قبل أيام من تحرك فرنسي في ظل تحفظ أميركي، لعقد لقاء بين ممثلي الأطراف اللبنانية في «باريس» تمهيدا للحوار اللبناني، وسط توقعات متباينة بين التفاؤل والتشاؤم ووسط حالة من التساؤلات.
من ينقذ لبنان؟.. من العدوانية الإسرائيلية، ومن الخلافات العربية، ومن التجاذبات الإقليمية، ومن المشاريع الدولية؟.. وقبل ذلك كله من الحالة اللبنانية ذاتها، وعلى الأخص حالة التبعية لعدد من رموز الطبقة السياسية؟
.. وهل يمكن خروج لبنان من المأزق الراهن بالاغتراب عن شقيقه العربي والاقتراب من صديقه الغربي؟.. أم بالعزلة عن محيطه العربي والفرار من واقعه الإقليمي والهروب من دائرة الصراع الدولي؟
.. وإذا بدا ذلك الخروج من خرائط الجغرافيا، والهروب من روابط التاريخ أمرا مستحيلا.. فما هو الحل؟
ظني أنه لا حلول ممكنة للأزمة اللبنانية يمكن أن تأتي من خارج دائرة الحوار الوطني اللبناني أولا، وصولا إلى وفاق سياسي جامع على برنامج حكومة وحدة وطنية تنتخب ديمقراطيا بقانون انتخاب أكثر توازنا وتمثيلا للفسيفساء اللبناني، تمهد الطريق للتوافق حول مرشح للانتخابات الرئاسية.
ولا حلول ممكنة إلا بعيدا عن التبعية أو الارتهان لعواصم أو سفارات أجنبية لم يعد خافيا على أحد مدى تدخلها السافر في الساحة اللبنانية، ومدى سعيها الخبيث للفتنة اللبنانية والسورية والفلسطينية وبصورة علنية، حيث لم تعد بحاجة للعمل السري لتأليب القوى السياسية، مثلما يفعل السفير الأميركي على التلفزيون والسفير الفرنسي في بيت «وليد بك»، والهدف هو استمرار الأزمات بغير حل ليحدث بعدها إثم جديد هو السماح بحالة الفوضى المدمرة المطلوبة تحت اسم جديد هو «الفوضى المعمرة»، ليتناسب مع مشروع الشرق الأوسط الجديد.
الحل لا بد أن يبدأ من لبنان وليس من خارج لبنان، اعتمادا على أبناء وأشقاء لبنان بدعم من محيطه العربي والإقليمي، وليس على الأعداء الذين يلبسون ثوب الأصدقاء، سواء من داخل قصر الإليزيه الفرنسي، أو من المكتب البيضاوي في البيت الأبيض الأميركي، فالذين يصنعون الأزمات بين القوى الوطنية والطوائف الدينية في لبنان، وبين لبنان وأشقائه العرب خصوصا السوريين، وبين رئاسة لبنان الشرعية وحكومة لبنان الشرعية، لا يمكن أن ترتجى منهم حلول.
وفي حين يرى البعض أن مفاتيح الحل ليست في لبنان بل في العواصم التي تحرك أدواتها أو تدعم حلفاءها في لبنان، فهذا يعني أن المشكلة هنا تكون لبنانية أكثر بقابلية سياسيين لبنانيين سعيا لمصالح حزبية ضيقة أو طائفية أضيق، على حساب المصلحة الوطنية لاستقواء بالخارج، أو قبولها لأن تكون أداة لتنفيذ الأجندات المتقاطعة للعواصم الأجنبية أو حلفاء لسياسات دولة غير لبنان.
وهذا يعني أن الحل لا بد أن يكون أولا لبنانيا، وثانيا عربيا، وثالثا إقليميا، ورابعا دوليا، بلبنان الوطن أولا قبل الطائفية والحزبية والفردية، وبلبنان العربي لا الغربي ثانيا، ولبنان النموذج في محيطه الإقليمي والدولي للعيش المشترك بالحريات والالتزامات والانفتاح والإبداع والتسامح والتوافق الديمقراطي بين كل ألوان الطيف السياسي والعرقي والديني والمذهبي.