مجددا أثارت المعارك الدامية والمدمرة الدائرة في مخيم نهر البارد، شمالي لبنان، بين الجيش اللبناني وجماعة «فتح الإسلام»، التساؤل عن مشروعية السلاح الفلسطيني، داخل المخيمات وخارجها، وتوظيفاته، وجدواه السياسية.

واضح من الأحداث الجارية بأن المخيمات الفلسطينية في لبنان، بسبب وضعها الخاص، وهشاشة الوضع اللبناني، وانقساماته الطائفية والسياسية، وتراجع مكانة منظمة التحرير، لأسباب ذاتية وموضوعية (ضمنها الانقسامات الداخلية)، باتت أكثر قابلية للتوظيفات السياسية البعيدة عن الأجندة الوطنية.

المشكلة أن هذه التوظيفات لا تقتصر على قوى إقليمية دولتية، وإنما تشمل قوى لا دولتية أو فوق دولتية، مثل الجماعات المتطرفة، والجماعات الإرهابية؛ فضلا عن الجماعات الخارجة عن القانون وعن سلطة الدولة في لبنان.

وفي الواقع فإن انفجار الوضع من مخيم نهر البارد ربما يؤشر إلى إمكان انفجاره، في مراحل أخرى، وبحسب تطور الأوضاع في لبنان، وتطورات الصراع على منطقة الشرق الأوسط، إلى أماكن أخرى، من مثل مخيم عين الحلوة، الذي يشكل جزيرة أمنية، تكثر تعقيداتها، ويصعب التعامل معها.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فربما تصل الأمور في مرحلة ما إلى حد إقحام الوجود الفلسطيني في الصراعات اللبنانية الداخلية، مرة ثانية، أو في الصراعات الإقليمية المحيطة بالصراع على الترتيبات المستقبلية للشرق الأوسط.

لهذه الأسباب يمكن القول بأن الساحة الفلسطينية معنية بمراجعة أحوالها في لبنان، ومن ضمن ذلك مراجعة خطاباتها وبناها وأشكال عملها، ولاسيما بما يتعلق بشأن التواجد المسلح على الساحة اللبنانية.

ولعل ذلك يفترض ضمنا العمل على طي مسألة التواجد العسكري في لبنان داخل المخيمات وخارجها، لقطع الطريق على استدراج الفلسطينيين في الصراعات الداخلية اللبنانية، ولوضع حد لعمليات التوظيف الخارجي للقضية الفلسطينية وللسلاح الفلسطيني.

وحينها يمكن للفصائل التي تحبذ السلاح أن تركز جهودها على المقاومة ضد الاحتلال، وأن ترحم الفلسطينيين في لبنان، بما تبقى لهم من مخيمات.

إن الحضّ على هذه المراجعة الضرورية يستند إلى المنطلقات التالية:

أولاً: إن الفصائل التي ظلت تحرص على إبقاء وجودها العسكري في المخيمات وخارجها، لم تعد تقوم، من لبنان، بأي فعل من أفعال المقاومة المسلحة في مواجهة إسرائيل، لأسباب متعددة. ومعنى ذلك أن حديثنا عن السلاح الفلسطيني في المخيمات وخارجها (في لبنان)، يتوخى الجهر بحقائق يجري حجبها عن عمد، لأغراض التنافسات الفصائلية، ولأغراض وظيفية، لا تمت بصلة إلى الغرض الحقيقي من وجود السلاح الفلسطيني في لبنان، أي مواجهة العدو الصهيوني.

ثانياً: إن حرص الفصائل على إبقاء تشكيلاتها العسكرية، في مخيمات لبنان، لا يبدو مفهوما ولا منطقيا، في وقت كانت استقالت فيه تماما من باقي الوظائف السياسية والاجتماعية والثقافية والخدمية، التي كان يفترض أن تقوم بها في إطار المجتمع الفلسطيني في المخيمات.

ثالثاً: إن الحديث عن السلاح في المخيمات وخارجها يتم على ضوء تجربة مريرة دفع خلالها فلسطينيو لبنان ثمنا باهظا، من أرواحهم وممتلكاتهم ومعاناتهم، من دون أن تجلب عليهم أية عوائد، على صعيد حل قضيتهم، أو على صعيد تأمين حقوقهم المدنية ـ الاجتماعية، كمقيمين مؤقتين على أرض لبنان. ومعلوم أن الفصائل الفلسطينية عموما لا تولي أهمية لائقة للحقوق المدنية والاجتماعية للاجئين، ربما رغبة منها في استمرار توظيف قضيتهم، من منظور ضيق.

رابعاً: إن الظروف الدولية والعربية المحيطة جعلت من لبنان مجالا للتصارع الإقليمي، وبذلك باتت مخيمات لبنان مجالا رحبا للتنافسات والتوظيفات السياسية، ودليل ذلك الوضع الشاذ الذي جعل من مخيم عين الحلوة بؤرة للجماعات الأصولية المتطرفة والمتعصبة، وموئلا للخارجين عن القانون، وعن سلطة الدولة اللبنانية، وكلها جماعات يسهل توظيفها من قبل القوى الفاعلة في لبنان وفي عموم المنطقة، ما يلحق أفدح الضرر بالقضية الفلسطينية، وبأحوال اللاجئين في المخيمات.

خامساً: لاشك أن الخلافات الداخلية الفلسطينية بدورها تخلق أوضاعا متوترة في مخيمات لبنان. وبديهي أن هذه الخلافات المعطوفة على إشاعة البنى العسكرية، وفلتان السلاح، وتمجيد ثقافة العنف، ورفض الآخر، من شأنها أن تؤدي، في ظل غياب المقاومة (وهي الوظيفة الوطنية للسلاح)، إلى الفوضى، والانفلات، وغياب المرجعيات.

وارتداد شحنة العنف إلى الداخل (لاحظ الوضع المتفجر والمؤسف في غزة)؛ وصولا للمعركة الجارية في نهر البارد بين الجيش اللبناني وما يسمى جماعة فتح الإسلام، من دون أن ننسى الأوضاع الشاذة والاشتباكات المتكررة بين الجماعات المسلحة، المنفلتة من عقالها، والمتضاربة في مشاريعها، في مخيم عين الحلوة.

على ذلك وفي ظل انتفاء فعل المقاومة، وغياب المشروعية السياسية، فإن الفلسطينيين، كفصائل وكمجتمع مدني، معنيون بمراجعة وظيفة السلاح لديهم، فهو ليس غاية في ذاته، ولاسيما لجهة رفع الغطاء عن القوى التي تتعاطى بالسلاح لتوظيفهم في مهب السياسات المحلية أو الإقليمية وفوق الإقليمية.

في الواقع لاشيء يجعل من فلسطينيي لبنان استثناء بين كل الفلسطينيين في مناطق اللجوء بالنسبة لحمل السلاح، خصوصا في ظل المعطيات السياسية السائدة، الفلسطينية والعربية والدولية. طبعا ثمة من يبرر السلاح الفلسطيني في لبنان، بضرورة إيجاد نوع من الرد على اعتداءات إسرائيلية محتملة، بنتيجة أحداث معينة.

ولكن هل يستطيع الفلسطينيون فعلا حماية أنفسهم بالسلاح الذي يمتلكونه، في مواجهة طائرات ومدفعية وصواريخ إسرائيل؟ وما هو مصير الدولة اللبنانية إذا كان ثمة تسليح ذاتي لكل الجماعات في لبنان؟ ثم ألا يضع ذلك الفلسطينيين في احتكاك مع باقي الجماعات اللبنانية، على تفاوتاتها وتلاوينها؟ أيضا ثمة من يبرر السلاح الفلسطيني في المخيمات بضرورة الأمن الذاتي تخوفا من التحولات الداخلية اللبنانية.

وبرغم من مشروعية ذلك، على ضوء التجربة الفلسطينية في لبنان، فإن السلاح الفلسطيني في لبنان لا يقلل من هذه المخاوف، وإنما هو يغذيها ويعززها ويستفزها، بخاصة أن هذا السلاح سيكون عرضة للتوظيفات الداخلية والإقليمية.

كذلك فثمة من يرى إمكان مقايضة سلاح المخيمات بالحقوق المدنية والاجتماعية، ورغم مشروعية هذه الحقوق وأهميتها للفلسطينيين ولسلامة العلاقات الفلسطينية ـ اللبنانية، لكن هكذا مقايضة لا تبدو في محلها، راهنا، لأن هذه الحقوق تحتاج إلى مجال ثقة متبادلة، كما تحتاج إلى عنوان سياسي، ولا يمكن أن تأتي تحت الضغط في الظروف اللبنانية الراهنة.

وبالنسبة لقيادة الشعب الفلسطيني، في المنظمة والسلطة، فهي معنية بإيلاء فلسطينيي لبنان اهتماما أكبر وتأمين الخدمات لهم، والتخفيف من معاناتهم ومأساتهم، وتعزيز ارتباطهم بكيانهم السياسي، وفتح نقاش مع الدولة اللبنانية بشأن منحهم الجنسية الفلسطينية، لدفع شبهة التوطين عنهم، وضمان تمتعهم بحق المقيم، مثلهم مثل المقيمين من أي جنسية أخرى.

أما الدولة اللبنانية فهي مسؤولة عن وضع حد لمعاناة اللاجئين، بمنحهم الحقوق المدنية والاجتماعية، التي حرموا منها طوال وجودهم في لبنان، ويكفي أن هؤلاء محرومون من الوطن والهوية، ما يجعلهم في دائرة الإحباط واليأس، وما يدفعهم دفعا لدوائر التعصب والتطرف والتوظيف.

هكذا ثمة أهمية للتنسيق بين القيادة الفلسطينية والدولة اللبنانية بشأن وضع اللاجئين في لبنان، بعيدا عن المزايدات والابتزازات المتعلقة بالتوطين أو الحق بالمقاومة، أو غيرها من الشعارات التي ليس لها صلة البتة بقضايا الشعب والوطن.

كاتب فلسطيني