كان ينبغي أن أقول زعيم الأنوار الأوروبية. ذلك أن فولتير تجاوز النطاق الفرنسي من حيث الحجم والشهرة، ووصلت أصداؤه إلى مختلف أرجاء القارة الأوروبية: من انجلترا إلى ألمانيا إلى هولندا إلى روسيا... بل وبلغ به الأمر إلى حد مراسلة الملوك ومجالستهم والتعامل معهم معاملة الند للند. فقد كان صديقاً حميماً لفريدريك الثاني، ملك بروسيا، أي ألمانيا في ذلك الزمان.

وهو الملقب بفريدريك الكبير أو بالمستبد المستنير لأنه شجع الفلسفة والعلوم في عصره، على عكس المستبدين الظلاميين كلويس الخامس عشر، الذين لم يشجعوا الا التراث التقليدي ورجال الدين. وقد عاش في كنف فريدريك هذا أكثر من ثلاث سنوات معززاً مكرماً تارة، ومراقباً مشبوهاً تارة أخرى. وذاق طعم العلاقة «الحلوة-المرة» التي يتعاطاها المثقفون عادة مع السلطة حتى ولو كانت سلطة مستنيرة...

فملك بروسيا كان يريد أن يستخدمه لصالحه، لبثّ دعايته في الأقاليم، لتدجينه بشكل ما. وهو كان يريد أن يستخدم هامش الحرية الذي أمَّنه له فريدريك الكبير من أجل تطوير فلسفته وتعميق أفكاره ونشر فكر التنوير في كل مكان. وإذا كان فريدريك ملك السياسة والجيوش الجرارة في وقته، فإن فولتير كان يعتبر نفسه ملك الفكر.

وما كان من السهل أن يتعايش ملكان اثنان في نفس الحيز الضيق من الأرض.. نقول ذلك على الرغم من الإعجاب المتبادل الذي كان سائداً بينهما خصوصاً في المراحل الأولى. وهو إعجاب لم ينته حتى بعد أن اختلفا وتفرقا..

كما دعته كاترين الثانية، ملكة روسيا، إلى زيارتها أيضاً، ولكن العمر كان قد تقدم به كثيراً ولم يعد قادراً على تحمل مشاق سفرة طويلة كهذه. وحده ملك فرنسا الغبي لويس الخامس عشر رفض أن يستقبله في بلاطه أو يتعامل معه. بل ورفض أن يسمح له بزيارة بلاده ومسقط رأسه: باريس. وهكذا ظل منفياً لمدة ثلاثين سنة: وانطبقت عليه تلك العبارة الشهيرة: لا نبيَّ في قومه.

ويمكن القول بأن فولتير الكاثوليكي الأصل عاش معظم حياته في البلدان البروتستانتية (انجلترا، بروسيا، جنيف)، لأنه كان يجد فيها متنفساً وهامشاً من الحرية على عكس البلدان الكاثوليكية المتزمتة كفرنسا وإسبانيا وإيطاليا. وفي القسم الأخير من حياته راح يعيش على الحدود، أي رجلاً في فرنسا ورجلاً في سويسرا، لكي يهرب بأقصى سرعة ممكنة إذا ما دعت الحاجة إلى ذلك.

ينبغي العلم بأن مثقفي أوروبا في ذلك الزمان كانوا مهددين في كل لحظة بحياتهم ورزقهم أو مراقبة كتبهم ومخطوطاتهم، تماما كالمثقفين العرب حاليا. وكانوا يعيشون منفيين أو هاربين معظم الوقت. وكان سيف الرقابة الدينية او السياسية مسلَّطاً عليهم وعلى ما يكتبونه باستمرار. ولذلك فكانوا ينشرون مؤلفاتهم في أمستردام بهولندا أو في انجلترا ثم يدخلونها سرياً، أي تحت المعطف، إلى فرنسا. وفي أحيان كثيرة كانت تصدر بأسماء مستعارة أو بدون اسم خوفاً من سيف الرقابة والملاحقة.

كانوا يخوضون حرباً تكتيكية، أو حرب مواقع، مع السلطة وممثليها، ثم مع الكنيسة المسيحية بشكل خاص. ومن رحم هذه الحروب السرية-العلنية خرجت الحريات الحديثة. وبالتالي فلا ينبغي أن تخدعنا الصورة الزاهية للحريات الواسعة والمنتشرة الآن في كل أنحاء أوروبا. فهي لم تهبط عليهم كهدية من السماء. وإنما انتزعوها شبراً شبراً، وفتراً فتراً، وبعد نضال طويل ومرير.

ما هي المعركة الأساسية لفولتير؟ ما الرسالة التي كرس نفسه لها طيلة حياته كلها؟ (فهو لم يتزوج ولم ينجب الأطفال). إنها تتلخص بكلمة واحدة: محاربة الوحش الضاري، بحسب تعبيره الحرفي: أي التعصب والاكراه في الدين. انها تتمثل بمحاربة الكنيسة الكاثوليكية ورجال الدين الذين كانوا يسيطرون على عقول الشعب الفقير والجاهل وينشرون أفكار التعصب في كل مكان.

ثم تتمثل ايضا بمحاربة الاستبداد السياسي المرتبط بكل ذلك، دون أن يعني هذا أن فولتير كان ضد النظام الملكي، أو ضد الإيمان في المطلق. فعلى عكس الأسطورة الشائعة فإن فولتير لم يكن ملحداً ولا مادياً صرفاً على طريقة بعض فلاسفة التنوير الآخرين من أمثال دولامتري، أو البارون دولباخ، أو هيلفيتيوس، أو حتى ديدرو.

وإنما كان مؤمناً، ولكنه إيمان الفلاسفة، لا إيمان الكهنة أو عامة الشعب. بمعنى أنه كان يؤمن بوجود الله أو الكائن الأعلى أو المهندس الأكبر للكون وينفي ما عدا ذلك من عقائد وطقوس مسيحية (كالإيمان بالمعجزات، أو بالخرافات، أو حتى بالصفة الإلهية للمسيح. فالمسيح بالنسبة له شخص بشري. صحيح أنه أعظم شخص بالنسبة للمسيحيين ولكنه انسان فقط).

ولم يكن يعتقد بضرورة تأدية الشعائر والطقوس. وإنما كان يعتبر ذلك خاصاً بالعامة فقط، وليس بالنخبة المستنيرة. فهي ليست بحاجة اليها لكي تكون أخلاقية في سلوكها.

وكبقية فلاسفة التنوير كان يرى أنه ينبغي تنوير العامة شيئاً فشيئاً حتى تخرج من ظلمات الجهل والتعصب الديني وسيطرة الكاهن المسيحي، وتدخل في مرحلة التحضُّر والعقلانية والتقدم. وقد فعل فولتير كل شيء لكي ينتزع السلطة السياسية (أو الزمنية) من براثن الكنيسة الكاثوليكية، ولكي يخفّف من حدة هيمنتها على الأرواح والعقول.

وقد صدَّق المستقبل نبوءته وتوجهه الأساسي فيما يخص هذه النقطة. فالواقع أن القرن التاسع عشر كله أنجز مشروعه عندما فصل الكنيسة عن الدولة وحرَّر السياسة من هيمنة القساوسة والمطارنة والكرادلة وبقية الأصوليين. وكان ذلك أحد الأسباب الأساسية لتقدم أوروبا وتفوقها على مختلف أنحاء العالم، وتحولها إلى منارة حضارية فعلاً.

باختصار فإن فولتير كان يريد أن يحلّ حزب الفلاسفة محل حزب الكهنة والأصوليين في قصور السلطة وعلى رأس الإدارات والمؤسسات الرسمية للدولة. وفي ذات الوقت كان يريد أن يعيد الكهنة إلى كنائسهم لكي يشغلوا أنفسهم بأمور الدين والعبادة والآخرة فقط.

فهنا تكمن مهمتهم الأساسية وليس في أي مكان آخر. وذلك لأنهم إذا ما انحرفوا عن مهمتهم الأساسية وشغلوا أنفسهم بأمور الدنيا ولوثوا الدين بالسياسة ومناوراتها ومساوماتها، فسد كل شيء وخسرنا الدنيا والآخرة.

وقد تحقق برنامجه بشكل حرفي تقريباً بعد مائة سنة من موته. ولذلك فإن كهنة فرنسا لا يزالون يحقدون عليه حتى هذه اللحظة ويكرهون ذكر اسمه. والدليل على ذلك هجوم كاردينال باريس السابق (لوستيجير) عليه في أحد كتبه الأخيرة. فقد اعتبره المسؤول الأساسي عن تراجع المسيحية في فرنسا وانصراف الناس عن الدين.(متى يكفّ لوستيجير عن تصفية حساباته مع عصر التنوير؟... متى يفهم أن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء؟). كان فولتير أمةً وحده.

فقد شقَّ التاريخ المسيحي والأوروبي إلى نصفين: ما قبله وما بعده. ويتفق مؤرخو الفكر على موضعة القطيعة الإبستمولوجية الكبرى في منتصف القرن الثامن عشر: أي في الوقت الذي ظهرت فيه مؤلفاته الأساسية بالإضافة إلى مؤلفات جان جاك روسو وديدرو وجماعة الموسوعيين.

عندئذ حصل الانقلاب الحقيقي وانتقلت البشرية الأوروبية من عقلية القرون الوسطى الكهنوتية الإقطاعية، إلى عقلية العصور الحديثة العلمانية الديمقراطية. فقد كان الرأس المدبّر لحزب الفلاسفة أو لحزب التنوير. وكان يعتقد أن التنوير سوف يصعد رويداً رويداً حتى يشمل كل الظواهر، وكل القضايا، وكل العقول.

عندئذ تخرج البشرية من المرحلة الطائفية الهمجية، لكي تدخل في المرحلة الحضارية العقلانية. وعندئذ يتم القضاء على التعصب الديني الذي يشبه الأخطبوط الأفعواني والذي كان يشكل عدوه الأول.

ولم يكن فولتير يتوانى عن التدخل في القضايا الساخنة في عصره وبخاصة قضايا الاضطهاد الديني الذي يلاحق الناس على آرائهم وعقائدهم الداخلية. وقد أحدث ضجة كبرى وشغل فرنسا كلها بقضية «كالاس»: أي تلك العائلة البروتستانتية المضطهدة من قبل الأغلبية الكاثوليكية في مدينة تولوز. فقد لاحقوها وحاصروها ومزقوها إرباً اربا في نهاية المطاف.

وضرب بذلك مثلاً على الجرأة والشجاعة وتطبيق أفكاره على أرض الواقع وعدم الاكتفاء بالتنظير المجاني كما يفعل بعض المثقفين.

كاتب سوري ـ باريس