من أبرز الظواهر لصيقة الصلة بظاهرة العولمة وتربعها على عرش التحولات الكونية ظهور الأسواق التجارية الضخمة التي يُطلق عليها «المولات»، مفردها «مول». فبديلاً عن تعاملنا السابق مع المحلات التجارية صغيرة الحجم، إضافة إلى الأسواق التقليدية للعديد من السلع الاستهلاكية المختلفة مثل الخضر والفواكه واللحوم والأسماك أنشئت العولمة وصاحب ظهورها تلك الأسواق الضخمة الجامعة لكافة أشكال وألوان السلع المختلفة.
فعبر مساحة هائلة من الأرض، تبتلع الآلاف من المستهلكين، أو حتى المتفرجين، يمكن للمرء أن يشترى العديد من السلع المختلفة والمتباعدة والمتعارضة. فعبر تلك المساحة الضخمة يمكن شراء الملابس والأجهزة الكهربائية الحديثة والخضر والفواكه وكافة المستلزمات المنزلية الأخرى، إضافة إلى شراء الساعات الفاخرة والحلي والمجوهرات.
لا تترك المولات الحديثة سلعة واحدة يحتاجها المستهلك إلا وتضعها على أرفف العرض الخاصة بها، كما لا تتوانى تلك المولات عن متابعة كل ما تنتجه آلات العولمة الشيطانية واستيراده وعرضه أمام المستهلك التعيس الذي تزداد شراهته الشرائية يوماً بعد يوم التي تتحول إلى نمط حياة يومي وسلوك عادي مثله مثل الذهاب إلى العمل أو حتى زيارة الأقارب والأصدقاء.
خلقت هذه النوعية من المولات الثقافة الخاصة بها؛ فلم تقف المسألة فقط عند مجرد شرائنا لسلعة ما، قد نحتاجها وقد لا نحتاجها، لكنها تجاوزت ذلك إلى إعادة تطبيع البشر ثقافيا واجتماعيا. فالمول ليس مكاناً عابراً نذهب إليه ونشترى السلعة ونعود أدراجنا مرة أخرى إلى منازلنا بدون أن نتأثر به وبدون أنه يؤثر فينا.
هناك العديد من المظاهر المختلفة التي ترتبط بثقافة المول، طرحتها تلك المولات، ونشرتها في كافة أنحاء العالم، بحيث أصبحت ثقافة مقبولة ومتعارفا عليها.
ولم يكن بث هذه النوعية من الثقافات وليد البيئات المحلية الداخلية بقدر ما كان تعبيراً عن تلك التأثيرات الكونية الجديدة الموحدة للأنماط الثقافية والقابضة عليها والمهيمنة على مقدراتها.
علينا بداية ألا ننسى أن كلمة مول ليست عربية، فالترجمة الحرفية الدقيقة للكلمة هى «سوق تجاري»، لكن الأمر تحول في ظل ضعف اللغة العربية وكافة المظاهر المرتبطة بها إلى استهلاك للغة الآخرين، وتفاخر وتباهي بالتعامل معها والأخذ بها. لقد أصبحت كلمة «مول» كلمة عادية في حياتنا اليومية لا تثير الدهشة ولا تثير الاندهاش.
ولا يقف الأمر فقط عند الأجيال الجديدة البالغة الاهتراء والتحلل، لكنه يتعداه إلى الأجيال الكبيرة التي تستخدم الكلمة بدرجة كبيرة من العادية والقبول.
تطرح علينا المولات الحديثة أشكالاً ثقافية جديدة، لا تمت للواقع المعيشي بصلة، وإن كانت تفرض عليه سطوتها وتتحكم فيه، وتوجهه كيفما تشاء. يصبح المكان المول هو الحاكم لتوجهات الأفراد والمحدد لمفهوم الترويح عن الذات، فالمول في النهاية يتحول لمكان جامع للبشر يزجون فيه أوقات فراغهم سواء انهمكوا في عملية شراء السلع المختلفة، أم خانتهم قدراتهم المادية عن الانهماك في هذه العملية الاستهلاكية الشيطانية.
فالذهاب إلى المول يصبح هو الهدف في حد ذاته، والمتابع لحركة وأنشطة الأجيال الجديد من المراهقين على وجه الخصوص يجد أن المول يكاد يكون هو المكان الوحيد الذي يجمعهم، ويحدد لهم عوالمهم المختلفة.
ففي المول العديد من أنشطة الترفيه المختلفة التي تتناسب مع توجهات هؤلاء المراهقين. هناك البلياردو، وألعاب الكومبيوتر المختلفة، والبولينج، إضافة إلى دور السينما المختلفة والعديدة التي أصبحت لازمة من لوازم هذه المولات الحديثة. وفي غمرة هذه الألعاب المختلفة تحاصر مطاعم الوجبات السريعة القادمة غالباً من الغرب الأمريكي والأوروبي المواطنين. فأينما ولوا وجوههم شطر المولات تحاصرهم هذه المطاعم وتطاردهم.
وفي ظل الإقبال الواسع المدى من جانب الأجيال الجديدة على هذه النوعية من الأطعمة، فقد انتقلت العدوى أيضاً إلى الأجيال الأكبر سناً، حيث أصبحت هذه الأطعمة عماد الأسرة العربية المعاصرة، وهو ما يفسر حالة البدانة الغريبة والمستشرية بين الأجيال الجديدة، والمصحوبة بالكثير من أمراض التخمة والسمنة.
تغلق ثقافة المولات العالم أمام الأجيال الجديدة على وجه الخصوص. فبديلاً عن الانفتاح على كافة العوالم المحيطة بهم، والمتمثلة في المحلات الصغيرة الأخرى، وما ينجم عن ذلك من تواصل حميم مع البائعين المحليين، مع ما ينتج عن ذلك من تعميق للثقافات المحلية المختلفة، تحصر الأجيال الجديدة نفسها في التعامل مع مطاعم بعينها وأنشطة محدودة وضيقة.
ينحصر العالم في مجموعة من المطاعم المعدودة، وعدد محدود من الماركات العالمية، إضافة إلى ممارسة أنشطة ترفيهية بعينها. إن الأجيال الجديدة القابعة في أحضان ثقافة المول التنميطية تتشابه بدرجة غير معقولة، سواء في أنماط التفكير أو في أنماط الترفيه أو في أنماط الاستهلاك. ويمكن القول هنا بأننا أمام أجيال مستنسخة لا تتميز بالفرادة والإبداع بقدر ما تتميز بالخنوع والخضوع لكل ما يفد من تقليعات جديدة، ولكل ما تعرضه عليهم تلك المولات الكونية الجديدة.
تشيع ثقافة المولات الاستهلاك بدرجة كبيرة وغير مسبوقة. فنحن نذهب للمول في الغالب الأعم لكي نستهلك ونشتري ونأكل. فنادراً ما نذهب للمول ولا نشتري شيئاً من تلك المحلات المختلفة القابعة عبر أرجائه. وحتى إذا لم نشتر شيئا فنحن نذهب لتناول وجبات الطعام الغالية وغير المفيدة صحيا في الوقت نفسه.
يتعرض الأفراد لكم هائل من الإغراءات التي تنهال عليهم من قبل المولات، وعبر سيل الإعلانات المختلفة التي تبشر بالتخفيضات المختلفة، والتي تحاصر الأفراد في كافة زوايا وأركان المول لا يجد الأفراد فكاكاً سوى الانغماس في عملية الشراء التي تستحيل إلى جزء لا يتجزأ من حياتهم بغض النظر عن أهمية تلك السلع بالنسبة لهم ومدى احتياجهم لها، وبغض النظر عن حالتهم المادية.
تخلق ثقافة المول نخباً ضيقة ترتبط بها؛ في الغالب الأعم ممن ينتمون لأبناء الأثرياء الجدد بغض النظر عن أصولهم الاجتماعية، وبغض النظر عن مدى مشروعية الثروات التي اكتسبوها، إضافة للطبقة الوسطى العليا، وبعض الشرائح الاجتماعية التي تنتمي للطبقات الوسطى الاخرى. ويوماً بعد يوم تزداد الشرائح المختلفة التي تنتمي لنخب المولات الجديدة، بغض النظر عن مدى انغماسها في الشراء، ومرات ترددها على هذه المولات.
فمن ضمن آليات ثقافة المولات مدى نجاحها في ربط وتقييد المرتادين على المول، وجعله نمط حياة يومي لا يمكن الاستغناء عنه. وهنا يتفاوت أعضاء نخب المولات في درجة ترددهم عليها. فمن الملاحظ ذلك التردد الواسع المدى للفئات الثرية على المولات، سواء من أجل شراء تلك السلع الغالية، أو من أجل التردد على تلك المطاعم المكلفة جداً. يلي ذلك أبناء الطبقات الوسطى العليا والوسطى الاخرى الذين يبذلون جهداً كبيراً من أجل الحفاظ على درجة معقولة من التواصل مع هذه المولات تحفظ له شعوراً ما بالنخبوية، حتى ولو كان شعوراً مزيفاً، وحتى ولو كان على حساب العديد من الضغوط والمصاعب المادية.
لا تغلق المولات الباب أمام أي زائر أو مشتر، وهو الأمر الذي يتيح لأبناء الفئات الفقيرة زيارة هذه المولات ولو على سبيل التعرف والتلمس. وهو الأمر الذي يعمق الفروق الاجتماعية ويزيد من حدة الأحقاد والصراعات الاجتماعية ويفتح الباب واسعاً أمام المزيد من تلك التفاوتات المضرة ببنية المجتمع وأمنه الاجتماعي.
المولات إحدى تجليات العولمة الكاسحة، التي تستنسخ لنا أجيالاً مهترئة باهتة ومقلدة، وتدفع بالبنى الاجتماعية لحدود غير مأمونة من التصادم والصراع، اللهم قنا شرور العولمة، وجنبنا ثقافة المولات!!
كاتب مصري