منذ سنوات ليست بالبعيدة أقسم الباكستانيون على أن يأكلوا العشب مقابل أن يكون لديهم سلاح نووي، وهم بالفعل كانوا يواجهون مصيراً مجهولاً خوفا من أن تسحقهم جارتهم اللدودة الهند بما تملكه من تقنيات هذا السلاح وأنواعه، فكان هناك هدف أجمع عليه الباكستانيون ونجحوا في تحقيقه رغم ما عانوه من بؤس وشقاء في سبيله، إلا أن فرحتهم بتفجير أول قنبلة ذرية إسلامية رفع عنهم كل عناء وألم.
مرت منذ تلك الأعوام مياه كثيرة تحت كل جسور باكستان التي تعاقبت عليها ألوان شتى من المتغيرات داخلية وخارجية، أبرزها ما حدث صبيحة اليوم التالي لأحداث 11 سبتمبر وارتبطت كعامل أساس بمجريات الأمور التي تتصاعد الآن في الباكستان.
لكن ماذا حدث ؟ ببساطة أن في الداخل الباكستاني نوعاً من الرفض لممارسات الحكومة، بدليل المحاولات الثلاث لاغتيال الرئيس برويز مشرف. فالداخل يرى أن إجراءات إدخال العلمانية إلى باكستان غير مقبولة.
وهناك الإجراءات العسكرية التي اتخذتها الحكومة ضد أشخاص - كما قال امام المسجد الأحمر- شاركوا في الجهاد، «وتسليم المسلمين إلى الكفار مثل الماشية»، مشيرا إلى وجود مشتبه بهم في معسكر الاعتقال بخليج غوانتانامو الأميركي، إضافة إلى حالات الفقر الشديدة التي يعاني منها الآلاف من الباكستانيين.
فالشعور السائد انه عندما تنشأ وأنت تتجرع ألوانا من الحرمان، وتصبح وتمسي وأنت ترى وتسمع وتتذوق مرارات الفساد والرشوة وانهيار المجتمع، فلن يكون صعبا على أي متطرف أو داعية عنف أن يجعلك تسترخص روحك ودمك، وتزهد في حياة لن تمنحك أكثر من القهر والتمييز، والتي تعد احد ابرز مولدات العنف والإرهاب.
وكل ذلك جعل الفتنة تشتعل وتحول المسجد من الصلوات إلى الصولات والجولات، واعتقد القائمون بالفتنة أنها ستنجح في نهاية المطاف، حيث يريدون التغيير السلمي «نحو تطبيق الشريعة الإسلامية». حيث طالبوا بأنه «ما لم تطبق الشريعة الإسلامية فإن الشعب الباكستاني المسلم سينهض لتحقيقها». ولكن أي تغيير سلمي هذا الذي يسترخص دماء وأرواح المسلمين وفي سبيل من ولماذا تزهق كل هذه الأرواح؟
ولكن مع أنباء اعتقال مولانا عبد العزيز غازي إمام المسجد الأحمر في باكستان ارتسمت صور قبيحة باتت معتادة في سياق وقائع التطرف المنتشر في العالم الإسلامي، فهذا المسجد الذي تحول إلى مصدر للتطرف ومثارة للفتن، توج إمامه آخر لحظاته فيه وهو تحاصره قوات الأمن الرسمية بإطلاق سلسلة من «الفتاوى» الجاهزة لأتباعه بأن يفجروا أنفسهم وسط الجنود، بينما كان هو قد ارتدى البرقع النسائي وقبض عليه حينما كان يحاول الهرب والفرار.
هذا المشهد لم يعد حالة غريبة وفريدة ونادرة، فهذه العينات نفسها موجودة في العراق ولبنان وسوريا ومصر والمغرب والجزائر واليمن وبريطانيا، وجميعها تنتمي لنفس نوعية الفكر الأحادي المتطرف الذي يبث سمومه ويحصد أرواح بني ملته بالمئات، فكر نما على تكفير مخالفه والبغض والحقد على غيره، وبالتالي الصورة التي نحياها اليوم في العالم الإسلامي هي محصلة طبيعية ونتاج تلقائي للمأساة المستمرة هذه.
من الزاوية الأخرى لرؤية الصورة بوضوح في المشهد الباكستاني، نجد أن الكل يمارس التطرف نحو الآخر ويدعي انه الضحية.
فالحكومة تمارس التطرف ضد الشعب وتناصبه العداء من ممارسات منكورة، فهل يعقل يا ترى لو أن المشهد هذا في دولة أخرى أوروبية مثلاً هل كان من الممكن أن تفعله مع أبناء شعبها بكل هذه البساطة ! ومن ناحية الافراد هل باعتقادهم انهم بخروجهم على ولي الأمر بهذه الصورة المجحفة انهم سينتصرون عليه، إذن فهناك حلقة مفقودة بين الطرفين وهي حلقة (الحوار)، والى إيجاد هذه الحلقة التي يرفض الجميع رؤيتها وهي أمام أعينهم سيظل الاشتباك واقعا لا محالة والتنابذ هو سيد الموقف.