عام مر على الحرب اللبنانية ـ الإسرائيلية، زاد فيه حزب الله قوة، وتحسنت الأوراق الاستراتيجية لحلفائه، فازداد سُمك الحبل السري الذي يمده بموارد التمكن السياسي والعسكري والمالي، ما مكن الحزب من حيازة القدرة على ردع إسرائيل، أو على الأقل استمرار شعورها بأن أي حرب ضد المقاومة اللبنانية ستكون مكلفة، وما جعله، في الوقت نفسه، ينتقل من الدفاع إلى الهجوم السياسي في داخل لبنان، عبر الاحتجاج السلمي، والمطالبة المدروسة بإعادة ترتيب قواعد اللعبة السياسية القديمة، القائمة على التوازنات الطائفية.

وعلى النقيض عاشت إسرائيل في العام المنصرم تداعيات الهزيمة، فتصدعت نخبتها السياسية، وعرفت طعم التردد العسكري، والانكشاف الاستراتيجي، بعد أن بان للجميع أنها مجرد جيش تحوطه دولة، ذات عمق جغرافي هش، وائتلاف سكاني ضعيف. وعلى التوازي تضاءلت الأوراق الاستراتيجية لحليفة إسرائيل الأولى، وهي الولايات المتحدة الأميركية.

لاسيما مع استمرار توعكها في العراق، وفشل خطتها لإزاحة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وتواصل العناد والممانعة الإيرانية، وتعاظم قدرة سوريا على التنغيص على قوات الاحتلال الأميركي الجاثمة على أرض العراق. علاوة على ذلك بدأت إدارة الرئيس جورج بوش تعاني من رفض الديمقراطيين لسياستها الخارجية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط.

وهذا التناقض بين الحالتين يخلق وضعا استراتيجيا مقلقا بالنسبة للولايات المتحدة، ويضع إسرائيل تحت ضغط شديد، خاصة بعد اهتزاز صورة جيشها، وتراخي قدرتها على الردع. وقد زاد هذا القلق بفعل الشروخ التي أصابت خطة أميركية، تفاعلت معها إسرائيل بترحيب واغتباط ومباركة، تقوم على تقسيم المنطقة إلى «معتدلين» و«متطرفين»، فمن أطلقت عليهم واشنطن لقب المعتدلين، مثل مصر ودول الخليج والأردن، لم يرق لهم أن يصبحوا أدوات لتنفيذ الخطة الأميركية هذه، أو تعبيد الطريق أمامها، كي يتحقق لها النجاح.

وظهر هذا بجلاء في رفض مصر لرغبة واشنطن في عزل حماس وتضييق الخناق عليها واتهامها بأنها مجرد أداة في يد إيران، ورفض السعودية لسياسة أميركا وحلفائها في العراق، ووصف تواجدها على أرض الرافدين بأنه «احتلال» والمطالبة برحيل القوات الأجنبية عنها، وتأكيد دول الخليج جميعا على أنها لا تحبذ الحل العسكري للخلاف الأميركي ـ الإيراني، فإن أصرت الولايات المتحدة على توجيه ضربة لطهران، فإن هذه الدول لن تسمح باستخدام أراضيها في هذه العملية.

وفي الوقت نفسه لم يكن حلفاء واشنطن في لبنان من القوة التي تصورتها الولايات المتحدة، وبذلك لم تحسم الأمور هناك على حساب الأطراف التي تعادي أميركا.

وفي المقابل أظهر من أطلقت عليهم واشنطن لقب (المتطرفين) وسعت إلى هزيمتهم، لياقة سياسية كبيرة في التعامل مع الموقف، فوسعوا من الهامش الذي كان متاحا لهم، ووصلوا ما انقطع مع محيطهم، فرأينا كيف كسرت سوريا عزلتها العربية، التي تأسست على اتهام لها بأنها ارتمت في حضن إيران.

ورأينا كيف راحت إيران تطمئن دول الخليج بأنها لن تستهدفها إن نشبت حرب ضد الولايات المتحدة، وإنما ستقصف المصالح والقوات الأميركية في المنطقة، مخففة بذلك من الانزعاج والاستهجان الذي ترتب على إطلاق بعض المسؤولين الإيرانيين تهديدات لدول الخليج نفسها.

ورأينا كذلك كيف تمكنت حماس من تبديد سيناريو إزاحتها، الذي رعته واشنطن، وطفقت تغازل المحيط الإقليمي بالأوراق القليلة التي تملكها، مراهنة على الزمن، وربما على تعاطف قطاعات عريضة من الشعب العربي معها، حسبما أظهرت بعض استطلاعات الرأي.

ويمارس الزمن ضغطا إضافيا على إدارة بوش، إذ ستبدأ بعد شهور قلائل حملة الانتخابات الرئاسية، والتي من المتوقع أن تأتي برئيس ديمقراطي، ومن ثم لم يبق أمام بوش وقت طويل ليحقق أهدافه الاستراتيجية، والتي تقوم في الأغلب على اقتناعات أيديولوجية وليست سياسية ترتكن إلى حساب المكسب والخسارة. ويعز على بوش أن يترك البيت الأبيض وهو مهزوم عسكريا ومأزوم استراتيجيا، وتلاحقه اتهامات قوية بأنه أضر ضررا بالغا بمصالح الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، وبصورتها في العالم أجمع.

وعلى التوازي يضغط الوقت على رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، فقد نجا من السقوط السياسي بأعجوبة، بعد أن كانت هناك مطالبات قوية برحيله عقب هزيمة جيشه في لبنان، ولعبت واشنطن دورا قويا في إبقائه على قيد الحكم، لكن بقاءه هذا مسألة مؤقتة، بل إن مستقبل حزب «كاديما» الذي يرأسه بات في مهب الريح، خاصة بعد أن أدت سياسة أولمرت إلى حرج الموقف الاستراتيجي لإسرائيل.

ولتحسين وضعه في الداخل الإسرائيلي، يحتاج أولمرت إلى عمل عسكري، شرط أن يضمن الانتصار فيه. فالعلميات العسكرية التي تقوم بها آلة الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة أو الضفة الغربية، لا تستطيع، مهما بلغت حدتها ودمويتها، أن تزيح آثار هزيمة الصيف الفائت، أو تعيد إلى الجيش هيبته المفقودة، أو تقنع الإسرائيليين أن أولمرت لا يقل كفاءة عن الجنرالات الذين حكموا إسرائيل طيلة العقود الماضية.

ومن ثم تتلاقى الرغبتان الأميركية والإسرائيلية، والمصالح المشتركة بينهما، على هدف واحد وهو الحرب، التي يرى الطرفان أنها إن تأخرت فستقترب إيران من محطة امتلاك سلاح نووي، وستتعزز الأوراق الاستراتيجية لسوريا، وسيشتد ساعد المقاومة وحلفائها في لبنان، وقد تتآكل شرعية وإمكانيات الجناح الموالي لمحمود عباس من حركة فتح.

وتزداد رغبة واشنطن وتل أبيب في الحرب جراء اقتناعهما بأنها السبيل إلى تمزيق أوصال المحور الإيراني ـ السوري ومسانديه.

فضرب سوريا ضربة موجعة قد تقطع الحبل السري بينها وبين حزب الله، وسيفعل ضرب إيران الشيء نفسه، وسيعمل على التوازي في تقليم أظافر حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى، وسيؤدي في الوقت ذاته إلى تحسين الأوضاع المتردية للقوات الأميركية في العراق.

وقد تشكل حرب إسرائيل ضد سوريا وحرب الولايات المتحدة ضد إيران ـ مع وجود إمكانية مفتوحة لشراكة البلدين في الحربين معا أو في واحدة منهما ـ وسيلة لهروب واشنطن وتل أبيب من توعكهما الراهن، فالأولى لم يعد بمقدورها أن تفعل أي شيء في العراق يجلب لها النصر، أو يحقق أهدافها، والثانية من الصعب أن تفكر في إعادة الكرة ضد حزب الله، لأنها أوهن من أن تنجح في قتال يقوم على «حرب العصابات»، وتعتقد أن منازلة جيش نظامي مثل الجيش السوري أسهل بكثير.

لكن توجد عناصر يمكن أن تحول دون قيام الحرب، أولها امتلاك إيران وسوريا لأوراق استراتيجية تجعل مهاجمتهما ليست نزهة بأي حال من الأحوال، وثانيها ان تحقيق الأهداف التي تضعها واشنطن وتل أبيب لهذه الحرب ليس مضمونا تماما، وبالتالي قد لا تنفعهما نظرية «داوني بالتي كانت هي الداء»، وتجدا نفسيهما أمام معاناة جديدة، تزيدهما توعكا، وتقوض المصالح الأميركية في الشرق الأوسط، ومن نظرية الأمن الإسرائيلي العتيقة، خاصة أن حربا من هذا القبيل من المتوقع أن تؤدي إلى تزايد وجود «تنظيم القاعدة» في المنطقة، واتساع دائرة التعاطف مع أهدافه.

علاوة على ذلك فقد يجد بوش وأولمرت معارضة داخلية قوية في اللحظة الحاسمة لخيار الحرب، تغل أيديهما في الإقدام على هذه الفعلة الخطيرة، أو تظهر حلول دبلوماسية ناجعة عند حافة الهاوية، وبالتالي تتفادى بلادنا دمارا جديدا.

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة