منذ أن سيطرت حركة المقاومة الإسلامية ـ حماس ـ على قطاع غزة والقلق في فلسطين والعالمين العربي والإسلامي يزداد يوماً بعد يوم حول مستقبل الوضع الفلسطيني والقضية الفلسطينية برمتها، وما إذا كان الفلسطينيون سوف ينجحون في استعادة وحدتهم وإعادة هيكلة مؤسساتهم الوطنية، في ظل استمرار الاتهامات المتبادلة بين حركتي فتح وحماس وتحميل بعضهم البعض مسؤولية التطورات الأخيرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
المشكلة الجوهرية في الخلاف السياسي بين أكبر فصيلين فلسطينيين تكمن في قرار قيادتي فتح وحماس بالارتداد عن «وثيقة الوفاق الوطني»، والتراجع للخلف والبحث من قبل الطرفين عن صيغة احتكارية كبديل عن «وثيقة الوفاق الوطني» التي قدمت حلولاً وطنية شاملة. وعندما تعثرت المفاوضات النهائية الاحتكارية بين فتح وحماس تم اللجوء إلى الاقتتال ووضع قطاع غزة على حافة الحرب الأهلية الشاملة، لأنه وفقاً لاتفاق المحاصصة بينهما سعى كل طرف لاقتسام مؤسسات السلطة في الحكومة والأجهزة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
والمشكلة لا تزال أن كلتي الحركتين ما زالتا تتطلعان إلى استكمال سياسة المحاصصة بدلاً من العودة إلى مائدة الحوار الوطني الشامل وتطبيق وثيقة الوفاق الوطني بآلياتها الواردة فيها والتي تضمن وضع نهاية للاقتتال ولتقاسم السلطة والنفوذ والصراع عليها.
وبدون العودة إلى الحوار الوطني الشامل على أساس وثيقة الوفاق الوطني، فإن الأوضاع الداخلية الفلسطينية سوف تشهد مزيداً من التدهور والانقسامات والاقتتال بين الفصيلين الكبيرين، لأن شهوة ونزعة الصراع على النفوذ والسلطة زادت بينهما، وكل منهما سيحاول أن يوسع مساحة نفوذه وسيطرته، مما يعني أن الصراع سيتفاقم وسيأخذ أشكالاً دامية بدلاً من الحوار، وسيعيد ثقافة «الثأر والغزو» بين كل من أنصار فتح وحماس. والأمثلة في هذا السياق عديدة، ومنها حرق الجامعات والمعاهد العليا وتهديم البيوت والمحال التجارية والتصفيات الجسدية.
إن غياب ثقافة الديمقراطية في الحياة الفلسطينية يعتبر واحدا من أهم العوامل المباشرة التي أدت إلى التطورات الأخيرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. والمقصود هنا بالتحديد هو غياب الدمقرطة للعلاقات الفلسطينية - الفلسطينية، الأمر الذي ذكر بشكل واضح في وثيقة الوفاق الوطني والذي لم يتحقق لتمسك الحركتين بالمصالح الحزبية والفئوية الضيقة على حساب المصالح الوطنية الكبرى.
ولكن هناك عامل مباشر آخر إلى جانب غياب السلوك الديمقراطي عند الفصائل الفلسطينية، وهو أن حركة فتح مارست خلال السنوات الماضية منذ تأسيس السلطة الفلسطينية احتكاراً بتسع حكومات متتالية، وحاولت أن تبني نظاماً رئاسياً شمولياً بديلاً عن نظام برلماني حر، وهذا النظام وصل إلى الطريق المسدود وفشل سياسياً واتهم بالفساد السياسي والمالي والاجتماعي، ناهيك عن الفشل التنظيمي الذي منيت به حركة فتح منذ أن وقعت منظمة التحرير الفلسطينية اتفاقات أوسلو مع إسرائيل.
من جهة أخرى فشلت حركة حماس في استخلاص الدروس، ليس فقط من فشل حركة فتح خلال السنوات الماضية منذ إنشاء السلطة الفلسطينية، ولكن أيضاً من تاريخ الفصائل الفلسطينية قاطبة والمنضوية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية التي تأسست في عام 1964.
فحماس بعد نجاحها في الانتخابات التشريعية قبل حوالي سنتين شكلت حكومة حمساوية أحادية تقوم على الاحتكار السياسي، واتهمت من قبل معظم الفصائل الفلسطينية الأخرى ب«تديين السياسة» و«تسييس الدين» عبر برنامجها السياسي الأيديولوجي العابر للحدود، بدلاً من اعتماد برنامج وطني فلسطيني. كما اتهمت حماس بأنها ـ كما هو الحال عند جميع فروع حركة الإخوان المسلمين ـ بسعيها لإقامة دولة إسلامية في الأراضي الفلسطينية قد يكون لها عمق في أقطار الجوار العربي.
ومن هذا المنطلق فإن حماس التي فازت ديمقراطياً في الانتخابات التشريعية، اتهمت بعدم سعيها أو اهتمامها بالبحث عن حلول للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي في إطار المشروع الوطني الفلسطيني الذي أقرته بالإجماع جميع فصائل المقاومة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية منذ عام 1988.
من هنا فإن عوامل الصراع بين فتح وحماس نابعة في الأساس من النزعة الاحتكارية والشمولية عند هذين الفصيلين، وبمشروعين سياسيين متصادمين لا يلتقيان على أرضية مشتركة. ولكن لا يجب أبداً أن يستثنى عامل أساسي ومباشر إضافة إلى ما ذكر أعلاه، ويتمثل في استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والسياسة العنصرية واللا إنسانية التي تمارسها يومياً سلطة الاحتلال الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني ومقدساته وحقوقه الوطنية. كما لا يجب أن يستثنى أيضاً العامل الإقليمي والدولي الذي فاقم كثيراً المشكلات الموجودة بين الفصائل الفلسطينية وعزز من الخلافات والفتن التي عاشها الشعب الفلسطيني خلال التطورات الأخيرة.
من يستطيع أن ينكر التأثير المباشر وغير المباشر للحصار المالي والاقتصادي الذي فرض على الشعب الفلسطيني بعد أن قرر انتخاب حركة حماس في الانتخابات التشريعية الأخيرة على العلاقات الفلسطينية - الفلسطينية؟ ومن يستطيع أن ينكر التأثير المباشر وغير المباشر لسياسة النفاق الدولية التي مارستها الولايات المتحدة والدول الأوروبية في تعاطيها مع القضية الفلسطينية وسياسات الاحتلال الإسرائيلي والقرارات الدولية تجاه القضية الفلسطينية التي لم تنفذ بالرغم من عدالتها ومشروعيتها؟
إن القضية الفلسطينية تشهد في هذه المرحلة منعطفاً تاريخياً كبيراً يتطلب أكثر من أي وقت مضى توحد القوى الفلسطينية وتضافر جهودها السياسية والنضالية، من أجل عبور هذه المرحلة الخطيرة بأقل الخسائر الممكنة. وأول هذه الجهود يجب أن ينصب نحو تشكيل حكومة وحدة وطنية حقيقية تشمل جميع القوى التي وقعت على «وثيقة الوفاق الوطني»، ووضع آليات عملية ضابطة لمنع الاقتتال الفلسطيني بين فتح وحماس بما فيها تشكيل مجلس قضائي فلسطيني ـ عربي مستقل للإشراف على التزام القوى الفلسطينية بالهدنة الدائمة، والاتفاق على إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني لتجنب منهجية المحاصصة على أساس ديمقراطي حقيقي يعتمد في نصه وروحه أسلوب التمثيل النسبي الكامل.
كما لا بد من تشكيل جبهة مقاومة وطنية تضم جميع الفصائل المقاومة بمرجعية سياسية ونضالية فلسطينية متحدة، لأن استمرار الوضع الراهن القائم على تعددية المقاومة أثبت أنه لا يخدم المصلحة الوطنية الفلسطينية، لاسيما وأنه فشل في تحقيق الأهداف التي سعى إليها كل فصيل على حدة. فلا يمكن أن يستمر فصيل مقاوم في اتخاذ قراراته السياسية والنضالية بمعزل عن الفصائل الأخرى بدعوى أنه يرى في هذه القرارات مصلحة عليا للشعب الفلسطيني. إن مصالح الشعب الفلسطيني العليا تتحقق فقط إذا توحدت القرارات والجهود والأهداف للفصائل الفلسطينية المختلفة.
ولا ننسى أهمية إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية التي يجب أن تبقى المظلة الوحيدة لجميع القوى الفلسطينية بدون استثناء، وتبقى أيضاً المرجعية الوحيدة لاتخاذ القرارات السياسية والنضالية حتى يتم تحرير الأرض والمقدسات ويندحر الاحتلال عن كامل الأراضي الفلسطينية.
إن الديمقراطية الحقيقية تعني أن الشعب الفلسطيني وقياداته المختلفة لن يقبلوا بديلاً عن الحوار الوطني الجاد من أجل حل خلافاتهم عن طريق اعتماد المنهج الديمقراطي الحقيقي، بعيداً عن السلاح والعنف والتهديد وعرض العضلات وتنفيذ برامج سياسية خارجية لا تكترث كثيراً بالمصالح العليا للشعب الفلسطيني.
كاتب وباحث سياسي