هناك مؤسسات داخل الكويت لابد من حمايتها من تسرب الأمراض السياسية إليها، ولابد من توفير الحصانة لعملها ولاستقلالها، ومنها صندوق التنمية الكويتي الذي يسير وفق قواعد دولية وضوابط تلتزم بمعايير المنظمات العالمية، ولها أهداف وغايات تجعلها خارج البرامج الحكومية في البناء والخطط والتشييد، فهي ليست طرفاً في المنهج الحكومي الداخلي.
وقد تابعت اهتمامات مجلس الأمة الكويتي في نشاطات الصندوق عند البحث في ميزانيته، ومن المفيد أن يهتم الأعضاء بمنهج الصندوق ومناقشة فلسفته وتوجهاته، فلا ضرر في ذلك طالما حافظ الصندوق على شخصيته المستقلة التي تديرها مجموعة من الشباب الكويتي المتفاني، والذي تملك المهارة والحرفية المشهود لها ليس فقط في المنطقة، وإنما تعدت لتصبح موضوع تقدير وثناء من جميع المؤسسات المالية والسياسية..
نجح الصندوق منذ ولادته في الستينات في وضع معيار مرتفع في الأداء المتميز وفي المصداقية الهائلة التي اكتسبها بنزاهته واستقلاليته ومقدرته على التنفيذ، كما اكتسب شهرة الواعد المنفذ، لا يعطي وعوداً وإنما يؤدي أفعالاً وإنجازاً..خلال جولات المسؤولين الكويتيين الكبار، شاهدت شخصياً الاهتمام العالمي منهم بأداء الصندوق، وحرصهم على سمعته، وشاهدت أيضاً التقدير الكبير من قبل مسؤولي الدول المستفيدة لهيئة الصندوق..
في إحدى الجولات في شمال أفريقيا، كنت أشفق على ممثل الصندوق في الوفد الذي كان له برنامج بمفرده، فيها اجتماعات متتالية، كان حرص الدول المضيفة على الاجتماع بممثل الصندوق أكثر من حرصها على المفاوضات السياسية.
وفي هذا المجال يمكن إبداء بعض الملاحظات التالية:
أولاً: صندوق التنمية، ليس من فصيلة الغنائيات السياسية، هو أكبر من ذلك، وليس من إفرازات الشعارات الإعلامية، فأصحابه أعلى من ذلك، وليس من الباحثين عن رزق من الدول المضيفة، فأهله أكرم من ذلك، وليس من المحابين لجهة على حساب جهات أخرى فسجله أسمى من ذلك..
صندوق التنمية الكويتي ثقافة إنسانية كويتية خليجية، آمنت بأن التفاهم لا تضعه الزخرفيات من المفردات وإنما التقاء المصالح، واهتمت برسم منظومة عون ومساعدة فيها التداخل في المصالح والمنافع، فالمشروعات التي يبنيها الصندوق من بيئة تحتية وبيئة ثقافية وتعليمية تفيد المحتاجين من دول لا تستطيع ميزانيتها القيام بأعباء ترضي مجتمعاتها، ولا تسمح إمكاناتها بالاقتراض، والصندوق هو عنوان أمل لهذه الدول ومبعوث الكويت لمهمة الخير الإنسانية.. باختصار هو مؤسسة سياسية خيرية إنسانية تعطي للمحتاجين ولا ترهق أحداً ولا تقسو على أحد، ولا تضيق على أحد..
صندوق التنمية هو الخيار الكويتي الخليجي للتوصل إلى التفاهم العربي وإلى التفاهم العربي-الأفريقي- الإنساني، وهو مشروع لا يحبذ خطب الميادين الرنانة، ولا يبحث عن المديح في مانشيتات صحافية، فهو صديق المحتاجين من عرب وأفارقة وغيرهم، ليس له ميليشيات مثل المؤسسات السياسية العربية التي دمرت أهلها، وليس له فلاسفة منظرون مثل الذين قدموا مفردات غذائية فاسدة.. الصندوق يطعم بلا حديث، وينفذ بلا عويل، ويتوسع دون مواكب..
من يذهب إلى المغرب ومصر وسوريا ولبنان سيجد ديوان الصندوق الكويتي وهو ليس ديوان مصطلحات وإنما ديوان العطاء والسخاء..
ذهبنا إلى شمال المغرب على طريق ممتد من الرباط إلى طنجة، وذهبنا على جنوب المغرب ومنها إلى تونس وجنوب لبنان، كل ذلك لم يأت به الصراخ الإعلامي لحزب أو جماعة أو نظام يائس.. نقول بإيجاز بأن صندوق الكويت وصناديق الخليج هي قرار الخليج الحكيم في العمل دون شعارات، والمشاركة دون مباهاة والصمت دون احتجاجات.
ثانياً: وضع الصندوق الكويتي وإنجازاته سجل الكويت الإنساني على المسرح الإعلامي في تقدير رائع لدوره..
خلال أيامي في الأمم المتحدة، كان الصندوق يتوسع في المهام وفي أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي، وكان الصندوق السفير المرغوب فيه لدى هؤلاء، كنا في نيويورك نقطف ثمار أداء الصندوق بالسمعة الحسنة والمصداقية والجدية، وصار مع الأيام مؤسسة لها موقع مميز في المؤسسات المالية والاقتصادية التي تتعامل معه وتطمئن على نجاح العمليات التي يتولاها..
حقق الصندوق رصيداً كبيراً للكويت في سمعتها السياسية والمالية والدولية، ورفع كثيراً من مقامها الإنساني وكشف عن دماثة أخلاقها وعلو تصرفاتها، وهنا نتذكر وقوف الدول الأفريقية جميعها والآسيوية كلها، واللاتينية بكل أفرادها أيام الغزو.. شاهدت وزير خارجية يوغوسلافيا يخرس وزير خارجية كوبا، ولم يكن للبائسين موقعا ..
كانت تلك المجموعات مدافع أفريقية وصواريخ لاتينية وبنادق آسيوية في التجمعات السياسية، كلها ساحات شاهدتها في الأمم المتحدة وتجمعات عدم الانحياز والمؤتمر الاسلامي..
يقول الشيخ محمد الصباح، نائب رئيس الوزراء، ووزير الخارجية الكويتي، بأنه أوقف بعض المشاريع في بعض الدول التي لم يكن من المناسب منحها التسهيلات..
بصراحة لا أحبذ التدخل السياسي في شؤون الصندوق، نحن نتفق على أن الصندوق ليس مجمعاً خيرياً، وليس منحة مجانية، لكن الصندوق يقف عالي الهمة قاعدته البؤساء والمحتاجون والبسطاء.. الصندوق ترسانة الكويت الخيرة، وشهادة بارزة من شهادات حسن السيرة، ومساهم في الكيمياء الجذابة التي تحوم حول الكويت.
صندوق الكويت يملك ذخيرة هامة من ذخائر الكويت في مسيرتها السياسية، ومنظومة مؤثرة في نهج الخليج لتحقيق ما عجزت زعامات ثورية وأحزاب سرية وتجمعات جماهيرية إنجازه.. مشروع الخليج بإيجاز هو التضامن والتفاهم عن طريق تبادلية المصالح والمنافع..
علينا الحرص على صون الصندوق من تلوث السياسة.
كاتب كويتي