بعد أن سكتت المدافع على مدى عام كامل في الحرب الصهيونية الأميركية العدوانية الفاشلة ضد المقاومة الوطنية اللبنانية بقيادة حزب الله، وبعد أن تكشفت الدوافع العلنية والخفية الاستراتيجية والتكتيكية، وفي ضوء ما توفر من معلومات، وما تم من تحقيقات، وما تواتر من اعترافات، وما توالى من استقالات، ومن توارى من جنرالات، وبعدما نطقت الحقائق على أرض النزال الميداني، وفي معارك الجدال الإعلامي والسياسي على الجانب العربي، وفي ساحات السجال السياسي والقضائي على الجانب الصهيوني.
يبدو واضحا الآن كما لم يكن باديا من قبل، وخصوصا بعد تقرير لجنة «فينوغراد» الذي أدان القيادة العسكرية والسياسية الإسرائيلية في عدوانها على لبنان، أن حصاد «الحرب العربية السادسة» بأيامها الثلاثة والثلاثين، وبثمنها الباهظ على الجانبين، بتداعياتها الإنسانية والاقتصادية السلبية على اللبنانيين، وبتداعياتها العسكرية والسياسية السلبية على الصهيونيين، تقودنا إلى عدة نتائج قد لا تقبل الجدال وجملة حقائق بغير التباس:
1 ـ إن المقاومة الشعبية الأقل عددا وعدة والأكثر إيمانا بمشروعية أهداف شعبها التحريرية وبشرعية عقيدتها النضالية الدفاعية، في مواجهة الجيوش العدوانية الأكثر عددا وعدة والأقل إيمانا بمشروعية الأهداف العدوانية لاحتلال أراضي وإرادة الغير، تبقى المقاومة هي الأكثر مشروعية وهي الأذكى تسليحا وتكتيكا وهي الأقوى إرادة وتأثيرا وهي الأقدر على الانتصار في النهاية.
2 ـ إن الاستراتيجية العسكرية للحرب العدوانية الصهيونية الأميركية ضد لبنان قد ارتبكت وفشلت، وتكتيكاتها في مواجهة المقاومة قد تعثرت وتبعثرت، حيث فقدت إسرائيل قوة الردع المضاعفة وهي المرتكز الأول في استراتيجيتها، ولم تفلح طائرات الفانتوم والسكاى هوك الأميركية الجبارة في الحسم في مقابل صواريخ الكاتيوشا و«فجر» اللبنانية، وتمزقت 44 من دبابات «الميركافا» الإسرائيلية مع جنودها بسلاح «الآر بي جيه» الفردي.
3 ـ إن إسرائيل اضطرت إلى الدفاع بدلا من الهجوم في مواجهة القصف بصواريخ المقاومين من حزب الله المتصاعد في كثافة بلغ عددها 4000 صاروخ، بعد أن بدأت بالهجوم مما أسقط المرتكز الثاني من عناصر استراتيجيتها العسكرية.
4 ـ أن سلاح المقاومة الصاروخي أيضاً استطاع إسقاط المرتكز الثالث للاستراتيجية العسكرية اللا إسرائيلية التي تقوم دائما على نقل المعركة إلى أراضى عدوها لتصبح «حيفا» تحت القصف وعاصمتها «تل أبيب» في مرمى القصف ومدنها في العمق فيما بعد حيفا على جدول أهداف المقاومة.
5 ـ أن التداعيات العسكرية وحدها للحرب لم تسقط الاستراتيجية ولم تهزم التكتيك فقط، بل أسقطت الجنرالات الصهاينة الكبار وأطاحت بالقيادات العسكرية للجيش المقهور بسبب الفشل الذي أدانتها به لجان التحقيق، بدءاً من قائد القطاع الشمالي ومروراً برئيس الأركان «دان حالوتس» وانتهاء بـ «عمير بيرتس» وزير الحرب.
6 ـ وبينما أطلقت لجان التحقيق القضائية على انكشاف الجيش لإسرائيلي أمام المقاومة مفردات أقل قسوة لتوصيف ما وقع مثل «إخفاق» و«تقصير» و«سوء التقدير لقوة الجيش ولقوة المقاومة»، وحملت القيادة السياسية الصهيونية مسؤولية الفشل بوضع أهداف للحرب أكبر من قدرتها على تنفيذها، رأت الأوساط السياسية والتقارير الصحفية الصهيونية والرأي العام الإسرائيلي أن ما وقع هو «هزيمة» عسكرية وسياسية أكبر من مجرد الفشل.
والغريب، بل المثير للاشمئزاز أنه بينما يقر العدو بهزيمته في حربه المغامرة الفاشلة أمام رجال المقاومين من حزب الله، يخرج علينا أراجوزات السياسة وجنرالات المقاهي مصرين مع أغلظ الأيمان قائلين لهذا العدو المهزوم: لا وألف لا لم تفشلوا ولم تهزموا، بل المقاومة هي التي هزمت وهي التي جرت الدمار على لبنان بمغامرتها الفاشلة!!
.. أفلا يمكننا بعد ذلك كله وبعد تقرير «فينوجراد» الذي أكد كشف حجم الفضيحة الإسرائيلية العسكرية والخيبة الأميركية السياسية والورطة الأخلاقية لحلفائهما في لبنان والمنطقة العربية سقوط استراتيجية إسرائيل العسكرية في حرب يوليو، القول بأن جيشها «الذي لا يقهر» قد قهره المقاومون الأبطال على الجبهة اللبنانية في حرب يوليو 2006 مثلما سبق أن قهروه في حرب تحرير الجنوب عام 2000.
ومثلما سبق أن قهره المقاتلون العرب الأبطال على الجبهة المصرية والسورية في حرب أكتوبر73، بينما فشلت كل قواه الجبارة حتى الآن في وقف نضال المقاومة المشروعة ضد وجوده العدواني غير المشروع في العراق المحتل وفلسطين المحتلة والذي لابد أن ينهزم.