يشير تاريخ قيام وانهيار الإمبراطوريات القديمة والحديثة على السواء إلى أن عوامل القوة وأسباب الضعف، خاصة الداخلية منها، كانت العامل الحاسم في صعود وهبوط الدول، وتصاعد ثم تراجع هيبتها ونفوذها على الساحة الدولية. وحيث إن القوة العسكرية والإرادة على استخدامها هي العامل الحاسم في صياغة السياسة الخارجية للإمبراطورية، وتحديد مدى طموحاتها التوسعية، فإن تراجع القدرات العسكرية على تحقيق الأهداف الإستراتيجية يعتبر أهم عوامل تراجع نفوذ وهيبة الإمبراطورية.

وعلى الرغم من الأهمية القصوى للقوة العسكرية، إلا أن مسيرة التطور الحضاري في العصور الحديثة أثبتت أن عناصر القوة بالنسبة للدول تشمل أيضاً القوة الاقتصادية والمعرفة التكنولوجية والأوضاع السياسية والاجتماعية الداخلية. وعلى سبيل المثال، خرجت روسيا من الحرب الباردة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وفي حوزتها ترسانة عسكرية ونووية كبيرة وإمكانيات تكنولوجية وعلمية وبشرية عظيمة.

إلا أن تفكك المجتمع الروسي، وانفجار الصراعات الإثنية فيه، وتوقف الاقتصاد الوطني عن النمو سلب الدولة الروسية الجزء الأكبر من قدراتها العسكرية وإرادتها على القتال. وبعد مرور ما يقارب العقدين على انهيار الماركسية لا تزال إرادة روسيا وقدراتها القتالية اقل من إمكانياتها العسكرية والتكنولوجية والبشرية بكثير، وأكثر تواضعا من طموحاتها الإمبراطورية.

في عام 1982، وفي أعقاب نجاح إسرائيل في احتلال العاصمة اللبنانية، كتبت مقالا تحت عنوان (حدود القوة العسكرية)، شرحت فيه دور القوة العسكرية في صناعة السياسة الخارجية للدول الكبرى والقوى الإقليمية، ومدى تراجع قدرات تلك القوة على تحقيق أهداف استراتيجية على الساحة الدولية.

وفي عام 1992 أدخلت تلك الفكرة في كتابي The New World Order الذي شرحت فيه مفهوم القوة العسكرية من خلال وضعه في إطاره التاريخي السليم. ولقد بينت في ذلك الكتاب كيف أن الإمبراطورية لا تتعلم من أخطائها إلا حين تجد نفسها غير قادرة على الفعل بسبب تراجع أوضاعها الداخلية، وظهور قوى عالمية أخرى ذات قدرات عسكرية منافسة وطموحات إمبراطورية متنامية.

كانت أول إشارة حقيقية إلى تراجع قدرات القوة العسكرية على تحقيق أهداف استراتيجية على الساحة الدولية قد اتضحت حين فشلت أميركا في فرض سيطرتها على فيتنام بعد حرب عنيفة استخدمت فيها كل ما كان لديها من عتاد عسكري وإرادة على القتل والدمار، وذلك فيما عدا القوة النووية.

وعلى الرغم من هزيمة أميركا في فيتنام في السبعينات، وتبلور مدى تراجع فاعلية القوة العسكرية، إلا أن الاتحاد السوفييتي الذي كان يمثل القوة العظمى الأخرى في ذلك الوقت، لم يتعظ من التجربة الأميركية وقام بتكرارها وبنتائج على نفس الدرجة من السوء في الثمانينات في أفغانستان.

وفي عام 1982 قامت إسرائيل بغزو لبنان، وذلك بهدف القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية وفرض حل على العرب تصفي من خلاله حساباتها معهم. إلا أن المغامرة الإسرائيلية لم تكن أفضل بكثير من مغامرة أميركا في فيتنام والاتحاد السوفييتي في أفغانستان. إذ إن نجاح القوات الإسرائيلية في إجبار مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية وقيادتها السياسية على الخروج من لبنان، لم يكن كافيا لفرض حل إسرائيلي - أميركي على الدولة اللبنانية.

وبينما نجحت إسرائيل في التخلص من منظمة التحرير كقوة عسكرية وتحويلها إلى منظمة سياسية منفية في دولة عربية إفريقية، تسببت من حيث لا تدري في خلق منظمة عسكرية أكثر قوة وخطورة، وهي حزب الله الذي حمل لواء المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني واجبر إسرائيل بعد 18 سنة على الانسحاب دون تحقيق أي من أهدافها الاستراتيجية.

لقد كان على أميركا أن تنتظر حوالي ثلاثين سنة كي تنسى التجربة الفيتنامية، وذلك قبل أن تجرب حظها ثانية في العراق وتستخدم قوتها العسكرية لتحقيق أهداف إستراتيجية. ومما شجع أميركا على اتخاذ تلك الخطوة تفردها في الهيمنة على العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي من ناحية.

وتولي مجموعة يمينية متعصبة مقاليد الحكم في واشنطن من ناحية ثانية، وتصاعد اعتماد أميركا على البترول في وقت تزايدت فيه احتياجات الدول المنافسة كالصين من ناحية أخرى. وحين قامت أميركا باختلاق المبررات لغزو العراق وإسقاط النظام الحاكم فيه واحتلال أراضيه لم تكن النتيجة أفضل مما كانت عليه قبل ثلاثين سنة في فيتنام.

وبعد مرور حوالي ربع قرن على غزو إسرائيل للبنان، حاولت الدولة اليهودية تكرار التجربة السابقة، وذلك على أمل التخلص من حزب الله الذي ألحق بها الهزيمة في الماضي. وبالرغم من قيام إسرائيل باستخدام أقصى درجات القوة وارتكاب جرائم عديدة بحق الشعب اللبناني، إلا أنها فشلت في تحقيق أهدافها والقضاء على المقاومة اللبنانية.

وحين أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية أنها ترى بوادر شرق أوسط جديد، كانت تتصور أن الشعب اللبناني سيثور على حزب الله، وأن الإفراط في استخدام القوة للقتل وتدمير البنية التحتية سيؤدي إلى القضاء على ثقافة المقاومة في البلاد العربية عامة. لكن حزب الله خرج من الحرب وقد حقق أعلى درجات المصداقية على الساحة العربية، مما أعطى مقاتلي حماس في فلسطين أملا أكبر بالنصر وإصرارا أقوى على مواصلة المقاومة والنضال.

إن القوة العسكرية المنظمة ليس باستطاعتها في كل الحالات تقريبا حسم صراع دموي مع قوة غير منظمة تتبع أسلوب حرب العصابات، وهذا ما واجهه الأميركيون في فيتنام والسوفييت في أفغانستان والإسرائيليون في لبنان. إذ رغم ضعف الإمكانيات العسكرية لمقاتلي العصابات، إلا أنهم يملكون عادة الكثير من الإرادة على القتال والإصرار على تحقيق النصر.

لكن الدول العظمى قلما تعلمت من أخطائها، وذلك لأن القوة العسكرية تمنح أصحابها إحساسا عاما بالتفوق والمناعة ضد الهزيمة، وتشجع الجيل الجديد من القادة على التفكير مجددا بالهيمنة على الغير. إن تبلور حدود القوة العسكرية أدى في كل الحالات والأحيان إلى تراجع نفوذ ومصداقية الدولة التي تعتمد القوة أساسا لسياستها الخارجية على الساحة الدولية. ولقد تبع ذلك اتجاهها نحو التقوقع وتبني سياسة دفاعية فتحت المجال لظهور قوى دولية وإقليمية أخرى منافسة ذات قدرات وإرادات على تحدي القوة العظمى والحد من أطماعها التوسعية.

أكاديمي أميركي من أصل عربي

professorrabie@yahoo.com