يمر مجتمع الإمارات بمرحلة تغيير جذري، ليس في الشكل فقط.. وإن كان الشكل هو الأكثر وضوحاً وإنما في مضامين القيم والأخلاق، وفي علاقات الأفراد بعضهم ببعض ضمن انساق العلاقات المختلفة، وكذلك في علاقة المواطن بالمجتمع كمفهوم سياسي، وبالاتحاد كمفهوم وجداني ومؤسساتي!
وسط هذه التغييرات يجد العديد من الناس في هذا المجتمع أنفسهم أمام أسئلة صعبة وخيارات أصعب، ومشاعر متناقضة لا يستطيعون الإفصاح عنها، لأنهم لا يعرفون لمن يفصحون أولا، ولأن حالة من القلق أو عدم الثقة تسيطر على الكثيرين خاصة في مؤسسات وإدارات العمل، وثالثا لأن التغيير الحاصل في الإمارات سريع جداً، وغير مسبوق وليس لأحد القدرة على الإحاطة بآلياته ومخارجه ووسائل التعامل معه!
من هنا فإن مقال «موضة الاستغناء عن المواطنين» الذي نشر في هذه المساحة منذ يومين قد آثار مشاعر الكثيرين ومنحهم فرصة التعبير عن تجاربهم ومعاناتهم في مؤسسات العمل التي ينتمون إليها، وقد انهالت على بريدي الالكتروني قصص وحكايات تكفي للكتابة حولها شهوراً..
لكن ليست هذه هي القضية، القضية في حقيقة الأزمة، ففي الوقت الذي ادعى فيه البعض بان الاستغناء عن المواطنين أزمة مختلقة لا أساس لها من الواقع، وبأننا نضخم المسائل، فإن القصص والاتصالات أثبتت ان المقولة حقيقية وبأننا لا نضخم شيئا، لكن الذين ينكرونها لهم بالتأكيد منفعة ليست خافية، خاصة حين يكون أغلبهم ممن يؤيدون الاستغناء عن المواطن!
الذين شرحوا قصصهم ومعاناتهم لم يكونوا فاشلين، أو لا يصلحون للعمل كما يوحى لهم من قبل إداراتهم التي تحاول الخلاص منهم لأسباب تعرفها الإدارات ولا يفهمها المواطن، هؤلاء ينتمون إلى روح الإمارات في عمقها الحقيقي، يحملون شهادات عليا، وتخصصات علمية دقيقة ربما لا يحلم مديروهم بحملها ذات يوم، هم أذكياء ومجتهدون، وجديون في عملهم، ومعروف من خلال سجلهم الطويل منذ كانوا طلابا أنهم متفوقون بعكس كثير من المديرين الذين نعرف سجلهم الطلابي جيدا، والدرجات التي تخرجوا بها من الجامعات، ومستوى عبقريتهم الفذة!!
سأتناول هذه الرسائل بالتفصيل في الأيام المقبلة، لنعرف جميعا ان التغاضي عن هذه الظاهرة لن يعود على الإمارات سوى بالضرر الجسيم، وان ترك الإدارات العليا تفصل العمل في المؤسسات وفق مزاجها ونفسياتها وأهوائها، ليس بالطريقة السليمة لبناء تراكم مؤسسي قانوني نحلم به لوطن أفضل، وكما قال أحد القراء في معرض تعليقه: «بكل صراحة، المشكلة ليست في الموظفين .
وإنما في المديرين الذين لا يؤمنون بالتوطين والمواطنين، ويرونها مكلفة، في حين لا يتوانون عن دفع الملايين للعمالة الأجنبية من الشرق والغرب، إن معظم هؤلاء لا يملكون العبقرية أو المؤهلات النادرة، لكن ولاستبعاد المواطن بأي طريقة يتم تقريبهم وتعيينهم في مراكز عالية وبمرتبات خيالية صار المواطن يحلم بها ولا يفكر في الحصول عليها أبدا».
وبما أن زامر الحي لا يطرب، فإننا نستورد زامرين ومطبلين من الخارج ليطربونا، ما عدنا نطرب لما عندنا، ولا حتى من باب تشجيع الفلكلور!!
