يدرك اللبنانيون قبل غيرهم وأكثر من غيرهم، أن ديمقراطيتهم ما هي إلا مغناة يتغنون بها حين يكون الوئام والسلام هما جامعهم المشترك، لا بل إن أكثر من يدرك هذه الحقيقة هم الطاقم السياسي على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم السياسية والحزبية والطائفية والمذهبية، والدليل ـ المحك على ذلك هو اعتراف هؤلاء (الطاقم السياسي) أنهم، ومنذ الاستقلال الذي منحه الغرب للبنان في العام 1943، لا يذكرون، ومعهم كل اللبنانيين، أن انتخاب رئيس الجمهورية لم يكن يوما وفق اتفاق لبناني بحت لم يكن للقوى الإقليمية والدولية الفاعلة في منطقة الشرق الأوسط إصبع فيه.

أما دليلهم على أن الديمقراطية التي يتغنون بها موسميا لا تتعدى حدود التوازن السياسي والحزبي والطائفي والمذهبي، فهو أن هذه الديمقراطية تصبح في خبر كان إذا ما أصاب خلل ما هذا التوازن لتحل مكانها مقولة عزل طرف للآخر، أو طائفة للأخرى مع ما يستتبع ذلك من تهديدات متبادلة.. فانتشار لسلاح وارد ومستورد من كل مكان.. فحروب داخلية من جميع الأشكال والأنواع.

مناسبة هذا الكلام ليست فقط اقتراب موعد ما يطلق عليه اللبنانيون صفة «الاستحقاق» الرئاسي، مع كل ما تمثله هذه الصفة من وعيد وتهديد إلى جانب الوعود، بل إن ما يفرض هذا الكلام هو اقتراب موعد المبادرة الفرنسية التي ستجمع ممثلي الأطراف اللبنانية المتنازعة في مدينة «سان كلو» الواقعة غرب العاصمة الفرنسية باريس بعد أيام، وتحديدا في الرابع عشر والخامس عشر من يوليو الحالي.

وفي هذا الإطار، يقول مصدر دبلوماسي غربي في بيروت، إن الدعوة إلى هذا اللقاء جاءت نتيجة إقدام وزير الخارجية الفرنسي الحالي برنارد كوشنير، المعروف بصداقته وغيرته على لبنان واللبنانيين طوال عهد الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، على استعجال دخول الملف اللبناني الشائك بحيث بات التراجع عن الخطوة أمرا صعبا ومن شأنه أن يضع سمعة فرنسا وعلاقاتها اللبنانية على المحك.

ولذلك جاءت الخطوة التالية بالهروب إلى الأمام عبر التأكيد على أن المبادرة الفرنسية بالدعوة إلى لقاء «سان كلو» ما هي إلا ضرورة للإبقاء على قنوات اتصال بين القوى اللبنانية المتنازعة، بما يمنع انفلات زمام الأمور من بين أيدي هذه القوى التي انقطعت اتصالات الكواليس فيما بينها مؤخرا، مع انعدام مفعول الجولات المكوكية لمندوب جامعة الدول العربية عمرو موسى، وإعلانه الوصول إلى طريق مسدود.

ويقول مصدر لبناني مخضرم إن الموافقة المعلنة من قبل جميع الفئات اللبنانية الفاعلة على المبادرة الفرنسية، وإعلان وزير الإعلام اللبناني غازي العريضي في مؤتمر صحافي عقده في القصر الحكومي مساء السبت الماضي أهمية هذه المبادرة والحاجة إليها في اللحظة الراهنة، تعني إجماعا سياسيا لبنانيا على ضرورة وجود قناة حوار، ولو غير مباشرة وفي الخارج، فيما بينهم.

ويشرح المصدر مشبها أطراف اجتماع «سان كلو» المرتقب بـ «خلية إدارة أزمة لأن الأوضاع مرشحة للتدهور بشكل كبير في أية لحظة، وهذه الخلية هي على غرار اللجنة الأمنية التي تم تشكيلها لإدارة الأزمات السياسية والأمنية التي كانت تنشأ خلال أكثر من محطة شهدتها الحرب الأهلية قبيل اتفاق الطائف، والتي كانت تلتئم في ميدان سباق الخيل في المنطقة الفاصلة بين شطري بيروت عند تخوم حرم بيت السفير الفرنسي والمعروفة بقصر الصنوبر».

واستتباعا، يرى مصدر مقرب من الوزير العريضي، «إن بقاء الأوضاع في لبنان على حالها حتى شهر نوفمبر المقبل موعد الانتخابات الرئاسية، لا يعني أن لقاء «سان كلو» لن ينجح في منع الانفلات، بل إن رغبة جميع اللبنانيين المشاركة به تعني الرغبة بضبط الأمور ووضعها تحت السيطرة من الآن وحتى حلول موعد «الاستحقاق»، إلا أن ذلك لا يلغي التساؤلات حول الخطوات الدستورية التي تحدث عنها رئيس الجمهورية إميل لحود لحل الأزمة.

والتي ما زال يرفض الإفصاح عن مضمونها، وأن هذا الغموض يبقي هاجس قيام قوى المعارضة بعمل مماثل لما قامت به حركة «حماس» في قطاع غزة قائما بقوة، وأن المخاوف تتركز على إمكانية أن تعمد المعارضة إلى تنظيم زحف بشري يطوق مقرات الوزارات ويعمد إلى طرد من فيها أو منعهم من الوصول إليها في أحسن الأحوال، وذلك في خطوة تتزامن مع قيام الرئيس لحود بتشكيل حكومة ثانية».

وتحسبا لخطوة من هذا النوع طرحت قبل أيام صيغة حل تقضي باستقالة الحكومة الحالية وتكليف رئيس الحكومة الأسبق المهندس نجيب ميقاتي تشكيل حكومة جديدة تقبض قوى 14 آذار، أو ما اصطلح على تسميته بـ «قوى الأكثرية»، على مفاصلها، إلا أن هذه الصيغة منيت بالفشل لأكثر من سبب داخلي وخارجي، وسط معلومات يتم الترويج لها، ومفادها الآتي:

أولا ـ استمرار حركة التسلح من قبل مختلف الفئات المتنازعة، وانتشار ظاهرة الأمن الذاتي متمثلة بالحراسات الليلية المسلحة.

ثانيا ـ طرح اسمي جان عبيد ونسيب لحود كأبرز مرشحين لرئاسة الجمهورية، إلى جانب اسمي حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وقائد الجيش الحالي ميشال سليمان اللذين أشاد بهما السفير الأميركي في لبنان جيفري فيلتمان خلال مقابلة أجراها معه قبل أيام مارسيل غانم على شاشة المؤسسة اللبنانية للإرسال «إل بي سي».

ثالثا ـ تحرك عمرو موسى بين دمشق والرياض حاملا معه ملف «الاستحقاق» اللبناني.

رابعا ـ التحرك السعودي في اتجاه طهران بالملف ذاته.

أما خلاصة القول، وفق المصادر الدبلوماسية الغربية، فإن «الهم الأكبر اليوم هو كيفية الإبقاء على التطورات قيد السيطرة ريثما ينضج الحل الذي لن يكون إلا بتفاهم إقليمي وبرعاية دولية، وما على اللبنانيين بمفاهيمهم السائدة للديمقراطية سوى انتظار لحظة النضوج هذه، وتمكن الأطراف الساعية للحل من فك رموز كلمة السر السورية، وهي لا ريب آتية»®®.

كاتب لبناني

ghassan.babbal@albayan.ae