الغزو الأميركي الذي وعد العراقيين بالحرية، حرمهم الأمن، وهشم دولتهم، وجزّأ بلدهم، وحوله إلى أرخبيل من الفوضى والتسيب يحكمه المسلحون من الميليشيات ودعاة التطهير العرقي، والعصابات ومختطفو الرهائن. هكذا لخصت صحيفة الفاينانشيال تايمز البريطانية حقيقة الأوضاع على أرض الرافدين، التي هي ثمار الغزو العسكري الأميركي الذي بات الآن في مأزق لا يعرف كيف يتجاوزه ويخرج منه سالماً.
هناك شبه إجماع الآن في واشنطن سواء بين خصوم الرئيس الأميركي جورج بوش أو أنصاره، على أن سياسة البيت الأبيض الحالية تجاه العراق هي كارثة بمعنى الكلمة. لقد فشلت خطة أمن بغداد التي اعتمدها الرئيس بوش منذ يناير الماضي، والتي عرفتها الأوساط السياسية باسم خطة أو استراتيجية «إغراق» بغداد.
والتي تحدث عنها أمس الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن أنتوني كوردسمان، والخبير الأميركي في الشؤون السياسية نيكولاس جفوسديف. تلك الخطة، قيل وقتها إنها ستؤمن إجراء انتخابات على مستوى المحافظات، وستسمح للشرطة العراقية بتسلم زمام الأمن في كل البلاد هذا العام. ولكن ما نراه على الساحة العراقية الآن يؤكد أن الخطة قد غرقت في بحار الدم التي تجري في ربوع العراق. والسؤال المطروح الآن هو ماذا بعد فشل خطة بوش؟
لقد كشف جفوسديف عن أنه يجري الآن الإعداد لمرحلة ما بعد خطة «إغراق بغداد»، والتي ستعني التخلي عن نشر الديمقراطية في العراق لصالح التركيز على محاربة «الإرهاب» فيه بالتوازي مع تخفيض عدد الجنود الأميركيين هناك. وأشار إلى أن سمة هذه المرحلة ستكون «عدداً أقل من الجنود مع المزيد من الابتعاد عن أي تحول طموح جداً في العراق».
ومن جانبه، قال قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال ديفيد بتريوس إن الحرب في العراق «مهمة طويلة الأمد» وقد تستغرق عقوداً. واعترف بأن القوات الأميركية منخرطة في قتال صعب، قد يزداد صعوبة قبل أن يصبح سهلاً. وقال: إن ما هو أهم من الوقت الذي ستستغرقه مهمة استقرار العراق، هو عدد القوات الأميركية التي قد يتطلب الأمر بقاءها فيه.
أحاديث كل المسؤولين في الإدارة الأميركية أو وزارة الدفاع «البنتاغون»، هو عن «البقاء والقتال معا». بقاء يستشف من تصريحات الجنرال بتريوس أنه بلانهاية حتى الآن، أو كما قال «طويل الأجل» بلا موعد محدد للرحيل، وقتال تخوضه القوات الأميركية تحت مسمى محاربة الإرهاب. فيا ترى إذا كانت واشنطن بالفعل ستخصص قواتها لمهمة مواجهة الإرهاب، فكيف ستتعامل ـ مثلا ـ مع حمامات الدم الطائفية التي لا تتوقف؟
ليت الولايات المتحدة تبحث عن صيغة «سلمية» أفضل من الإصرار على لغة القوة. عليها كما تقول صحيفة الفاينانشيال تايمز البريطانية، أن تساعد على تصفية الأجواء السياسية في العراق، حتى يتمكن العراقيون من التعايش مع بعضهم البعض، وألا تدخر جهدا لهذا الغرض، حتى إذا استدعى الأمر التفاوض مع بعض الجماعات المسلحة «ذات التوجه القومي» كما تقول الصحيفة، واستدعاء جيران العراق ـ بما فيهم إيران ـ إلى التفكير في خطة للحفاظ على استقراره.
ونقول مثلما قال الباحث الأميركي أنتوني كوردسمان: إن مفتاح النجاح لن يكون على صعيد العمليات العسكرية، لكن في مسيرة وطبيعة المصالحة السياسية العراقية.
