ينعقد هذه الأيام المؤتمر السنوي الثالث ل«معهد تخطيط سياسة الشعب اليهودي»، في القدس السليبة وبرئاسة مساعد وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية ومبعوثها السابق «للسلام في الشرق الأوسط» دينيس روس الذي يرأس مجلس مديري المعهد المذكور!
أن ينعقد المؤتمر في القدس المحتلة، فهذا أمر لم يعد يثير فينا أي إحساس أو اهتمام، فقد أصبحنا نتعامل مع الاحتلال بحكم «الأمر الواقع» ومن جملة ما تقتضيه «الواقعية» أيضا. أما وحدة المواقف والسياسات الأميركية الإسرائيلية، بل وتوحد مخططي ومنفذي هذه السياسات، عبر العالم وفي منطقتنا العربية بشكل خاص، إلى حد «التناسخ» والتماهي بين الأشخاص، فذلك أصبح من بديهيات الواقع الذي لا نعلمه فحسب، وإنما نشجعه أيضا بجهودنا وممارساتنا القصدية في الغالب وبإهمالنا وغفلتنا أحيانا.
ومع ذلك، فإن هذا المؤتمر الذي غفل أو تغافل عنه معظم إعلامنا العربي، يستحق التوقف عند مضامينه وأهدافه البعيدة، ولو من باب الفضول «البريء»، أو حتى الحسد لهؤلاء الذين يجدون من يهتم بمصيرهم ومستقبلهم بعد سنوات أو عقود من السنين!
فالمؤتمر يعقد تحت عنوان أساسي هو «مستقبل الشعب اليهودي ليس مضمونا»، ويشارك فيه نحو 120 من كبار الشخصيات ورؤساء المنظمات اليهودية من الداخل الإسرائيلي ومن مختلف أنحاء العالم. ويتناول المجتمعون من خلال أربع مجموعات عمل، أربعة محاور أساسية حول الجغرافيا السياسية، القيادة، مستقبل الجاليات اليهودية، والهوية والمستقبل الديمغرافي.
رئيس المؤتمر دينيس روس، أكد أن هدف هذا المحفل هو «بحث معمق لاقتراح توصيات استراتيجية في كيفية الاستعداد للتصدي للتحديات والتهديدات التي يقف أمامها الشعب اليهودي في هذا الزمن».
أما التقرير المعد لطرحه على المؤتمرين كأساس للبحث والمناقشة، فيعرض عدة أمور باعتبارها تهديدا قائما أو محتملا لليهود في العالم، مثل انتشار أسلحة الدمار الشامل، والإرهاب ضد يهود ومؤسسات يهودية، و«تآكل العناصر الإسلامية المعتدلة»، واختلال التوازن الديمغرافي في إسرائيل، ولا ينسى بطبيعة الحال وجود قوى عظمى صاعدة كالصين والهند.
غير أن ما يلفت النظر أكثر في المخاوف التي يعرضها التقرير، هو التركيز على «تآكل مكانة الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة، مما يؤدي إلى تغيير واسع في سياستها تجاه الشرق الأوسط لدرجة تعرض إسرائيل للخطر»، حسب ما ورد في هذا التقرير الاستراتيجي المعد بعناية بالغة.
أما الحلول المقترحة لمواجهة هذه التحديات، فليست اقل إثارة أو لفتا للنظر، حيث تشمل «بلورة جبهة دولية ناجعة من دول عربية معتدلة حيال إيران»، إضافة إلى بذل الجهود «لمنع الولايات المتحدة من هجر الشرق الأوسط»، فضلا عن «زيادة تعاون الشعب اليهودي ودولة إسرائيل مع دول عظمى صاعدة، كالصين والهند».
الاهتمام بالمستقبل وما يمكن أن يحمله من تحديات، هو الأمر الطبيعي بالنسبة لكل شعب أو مجموعة بشرية أو حتى عصابة تجمع بينها مصالح أو هموم مشتركة، واليهود ليسوا استثناء من هذه القاعدة، بل هم أكثر من التزم بها وأولاها عناية خاصة عبر التاريخ.
أما الشذوذ والاستثناء المخل، فهو أن تجد شعبا أو أمة بكاملها لا تأبه للحاضر، أحرى أن تفكر في المستقبل، ولو على المدى القصير بعد عام أو أقل من عام! لا نريد إضافة هم جديد إلى هموم العرب، فلديهم من الهم ما يكفي ويزيد كما أن «الضرب في الميت حرام».
لكن، أليس مما يثير العجب والاستغراب أن أمة بحجم العرب ولديها ما لديها من موارد وإمكانيات، لا تعرف كيف تصون حاضرها أو تفكر في مستقبلها على أي صعيد من الصعد!! بل إن منهم من هو أحرص على الفتك بحاضر الأمة ومستقبلها، أكثر من حرصه أو مجرد استعداده لمواجهة عدو أو مناصرة صديق!
صحيح أن هناك نقاط ضوء في هذا المشهد الحالك لا يمكن إنكارها أو التقليل من شأنها، لكن ماذا عن بقية أجزاء هذا النفق الطويل المظلم؟
فلماذا لا نستفيد من تجارب الآخرين، حتى ولو كانوا أعداء لنا؟ أليست «الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها»، سواء أكانت عند صديق أو لدى عدو، وحتى من أفواه المجانين!
ألم تعد فينا بقية غيرة أو «حسد»؟ أم أن كل شيء فينا قد استبد به الموات، حتى المشاعر والأحاسيس.. فلا حياة ولا مجيب لمن ينادي!