اليوم يمر عام كامل على عدوان 12 يوليو الصهيوني الأميركي ضد لبنان والذي اضطر المعتدون إلى وقفه تجنبا لمزيد من الخسائر بعد فشلهم في تحقيق أي هدف من أهدافه على مدى ثلاثة وثلاثين يوما من النزال بين رجال المقاومة الوطنية اللبنانية وقوات جيش العدوان الصهيوني..
وبعد أن سكتت المدافع، وتكشفت الدوافع وفي ضوء ما توفر من معلومات، وما تم من تحقيقات، وما تواتر من اعترافات، وما توالى من استقالات، ومن توارى من جنرالات، وبعدما نطقت الحقائق على أرض الواقع الميداني، وفي ساحات التحقيق القضائي على الجانب الصهيوني.. أصبح يبدو الآن ممكنا لكل المراقبين على اختلاف مواقعهم العربية والغربية والعبرية، وتباين مواقفهم السياسية والطائفية والمذهبية أن يباشروا بموضوعية ـ إن أرادوا ـ إعادة قراءة وتقييم مقدمات ونتائج العدوان على كل الأصعدة، ليس شرطا من أجل إعلان التراجع ولكن فقط لفهم الوقائع واستخلاص الدروس للاستعداد لما هو قادم من احتمالات.
أول الوقائع التي ينبغي التذكير بها هى أن إسرائيل بدفع أميركي هي من قرر شن الحرب بحجة تحرير الأسيرين للقضاء على وجود مقاومة حزب الله في جنوب لبنان ورفضت المفاوضات لتبادل الأسرى اللبنانيين بالإسرائيليين.
والثانية هو ما كشفته الصحف الأميركية عن اتفاق مشترك لشن هذه الحرب بين تل أبيب وواشنطن سابق على قيام حزب الله بأسر الجنديين الصهيونيين في اشتباك عسكري.
والثالثة أن ما استهدفه المعتدون في الواقع هو تحقيق عدة أهداف أهمها تطبيق القرار 1559 الذي يتم تفسيره لنزع سلاح المقاومة للانتقام من حزب الله لقدرته على هزيمة إسرائيل وطردها في العام 2000 من الشريط الحدودي.. وتأمين شمال إسرائيل من جنوب لبنان..
وتدعيم القوى السياسية الموالية لهما في شمال لبنان بعد أن فشلتا في تنفيذه حتى بعد العدوان.. وتوجيه رسالة قوة لكل من سوريا وإيران بضرب حزب الله في لبنان للتأثير على مواقفهما العسكرية أو التفاوضية في قضايا الجولان والملف النووي..والتغطية على الفشل في العراق بمعركة تصوروها سهلة في لبنان.. وأخيرا محاولة نقل بوابة تطبيق مشروع الشرق الأوسط الكبير من العراق إلى لبنان.
كان هدف إسرائيل المعلن في البداية أنها شنت الحرب بهدف تحرير اثنين من جنودها، لكنها سرعان ما تخبطت في أهدافها بتعلية سقفها تارة والتراجع عن ذلك تارة أخرى، فقالت بتدمير منصات إطلاق الصواريخ، وإقامة منطقة عازلة جنوب الليطاني، ثم بتطبيق القرار 1559 لكنها في نهاية المطاف وافقت بسرعة لانقاذ نفسها على قرار مجلس الأمن الدولي 1701 المنخفض السقف بعد أن عدل الوفد العربي مشروع القرار المنحاز الفرنسي الأميركي وليفشل معه الرهان الصهيوني الأميركي. فهل تحقق للمعتدين من هذه الأهداف شيء ليمنع هذا الإخفاق الفاضح؟
هل نجح العدوان مثلا في إطلاق سراح الجنديين؟ وهل تم تدمير صواريخ المقاومة التي وصلت إلى حيفا وما بعد حيفا وأجبرت مليون ونصف مليون ونصف مليون إسرائيلي على التكدس في الملاجئ على مدى الثلاثة والثلاثين يوما التي استغرقتها الحرب؟ وهل قدم القرار 1701 شيئا مما أعلنته إسرائيل من أهداف؟
لا، بل على العكس يرى المحللون أن هذا القرار يحد من قدرتها على شن عدوان جديد، لكنه لا يمنع المقاومة التي لا تزال بأسلحتها في جنوب لبنان رغم انتشار الجيش وقوات اليونيفيل من التصدي لأي عدوان وهزيمته مجددا.
ربما تكون إسرائيل قد نجحت فقط في قتل وإصابة آلاف المدنيين اللبنانيين وتدمير البيوت والجسور والبنى الأساسية، لكنها في المقابل تعرضت مستوطناتها ومدنها وقواعدها العسكرية للقصف والتدمير بالصواريخ في عمق إسرائيل، فضلا عن خسائرها الكبيرة في الأرواح بالمئات والدبابات بالعشرات، فانكشفت قدرتها على الردع.
وتعرضت هيبة جيشها الذي لا يقهر للقهر على يد بضع مئات من الرجال المقاومين المؤمنين بالله وبهم استطاعت المقاومة أن تفشل قدرات الجيوش وفشلت إسرائيل في تحقيق أي من أهدافها المعلنة في لبنان كما فشلت أميركا في التحرك من بوابته إلى الشرق الكبير كما بشرت «الآنسة كوندي» بمخاض الحمل الكاذب للميلاد الجديد.
ألا يمكننا بهذا فقط القول: لقد سقطت مراهنات العدوان؟
.. لكن حصاد النتائج وتداعيات الفشل لم تنته بعد!