عشرة أيام من اللقاءات المتواصلة قضيتها مؤخراً في بلادي، السعودية، متنقلاً من جدة إلى الدمام إلى الرياض. قابلت عددا من المسؤولين الحكوميين من أصحاب السمو والمعالي والسعادة وعددا من رموز القطاع الخاص. التقيت أيضاً عددا من الزملاء من الوسط الإعلامي والثقافي. أما الفريق الثالث فكان من فئة كريمة من الأصدقاء والمعارف ممن لا ينتمون لدائرة المسؤولين (أصحاب القرار) ولا للمثقفين والكتاب (أصحاب الكلام)!
أستطيع أن أزعم أن كثيرا من المسؤولين لدينا يقرأ أو يتابع جدالات المفكرين ونقاشات المثقفين من باب التسلية لا غير. وأكاد أزعم أن عددا من مثقفينا وكتابنا يعتقد أن ما يكتب قد يحدد مصير الأمة ويشكل مستقبلها. بعض المسؤولين ينظر إلى ما ينشر في الصحافة أو يطرح في الفضائيات على أنه لا يعدو تنظيراً ليس له علاقة بالواقع الذي هو ـ المسؤول ـ أقرب من الكاتب إليه. وبعض كتابنا يعتقد ـ واهماً ـ أن عين المسؤول لا تنام خشية مما ينشر في الصحافة أو يقال في الفضائيات وما أكثرها.
الانطباع الذي خرجت به من زيارتي الأخيرة، وينطبق تقريباً على أي بلد عربي، أن هناك فجوة واسعة بين كثير من المسؤولين والكتاب. المسؤول ينفذ خططا مرسومة له في وزارته أو في إدارته، وفقاً لأنظمة ولوائح وبرامج تحدد مهامه سلفاً، فيما الكاتب يتفاعل مع مستجدات كثيرة حوله معتقداً أن آراءه وأفكاره يمكن أن تحل مشاكل البلد لو أخذ بها صانع القرار، كما لو كان يملك عصا سحرية تغير الأحوال في ساعة.
الكل يتذمر: المسؤول يلوم الكاتب الذي يعيش في برج عاجي أو لا يملك سوى التنظير ولا يعرف الحقائق على الأرض. الكاتب يعبر عن مشاعر إحباط متزايد من تجاهل المسؤول لأفكاره وطروحاته التي يظن أنها تقود إلى تنمية المجتمع وإصلاح أوضاع البلد. العلاقة بين الكاتب والمسؤول الحكومي في العالم العربي ليست قطيعة وليست عداوة ولكنها ـ في رأيي ـ محاصرة بالشك وأحياناً بالجهل أو اختلاف الرأي حول المسؤوليات والأدوار.
نصيحة المسؤول للكاتب تأتي أحياناً هكذا: «إن لم تملك الحل لا تنتقد الوضع». ويأتي الجواب أحياناً هكذا: «حينما أرى خطأً وأثق فعلاً انه خطأ فإن من مسؤوليتي ككاتب أن أشير إليه، أكتب عنه، ولكنني لست بالضرورة معنياً بإيجاد الحل. إيجاد الحلول والبدائل مسؤولية المسؤول». ونسمع كثيراً بعض المسؤولين يردد: «الكلام سهل لكن الفعل صعب»!
سمعت كثيراً من النقد المتبادل بين المسؤول والكاتب، ولمست مشاعر متباينة تجاه العلاقة بين الصحافة وبعض الأجهزة الحكومية، وقرأت في وجوه كثير من شباب الصحافة تشاؤماً وقلقاً إزاء أحوال المهنة ومستقبلها.
لكن الانتصار الذي أظن أنني أنجزته في رحلتي الأخيرة هو تهربي الصريح من دعوات بعض المعارف من أهل المال والأعمال للعشاء و«السوالف» الاستعراضية التي تشهدها عادة بعض المجالس في جدة والرياض. بعض الكتاب والمثقفين في مجتمعنا يزينون بعض المجالس العامرة ب«الحكي» وهم لا يدركون ـ أحياناً ـ أن صاحب الدعوة يستهدف بدعوتهم إيهام الآخرين من «طينته» بأنه صاحب هموم ثقافية وإعلامية، وأن من بين «شلته» مثقفين وكتابا وأكاديميين يناقشون في مجلسه قضايا الوطن وتطورات الأوضاع في العالم كله! ألم يصف زميلنا العزيز داود الشريان (منذ سنوات) بعض المثقفين والكتاب في مجالس الأثرياء كما لو كانوا «طقاقات» في بيوت الأفراح؟
ظل السؤال، خلال زيارتي، يطاردني: لمن يكتب الصحافي العربي اليوم؟ أعترف أنني الآن أعيش حالة إحباط جديدة تجاه واقع الصحافة في العالم العربي. ما الذي يمكن أن تفعله وهي تعاني الأمرين، أولاً مع تقلص الإيمان بمسؤولية الصحافة لدى أهل المهنة أنفسهم، وثانياً بنظرة المسؤول (أو قل غطرسته) تجاه الصحافي باعتباره ـ في أحسن الأحوال ـ «بياع كلام»!
حينما تقرأ الصحافة في بعض البلدان العربية ـ وما تحدثه من صخب لا يقلق سوى أهل المهنة لكنه لا يحدث أثراً حقيقياً ـ ربما تستنتج أن بعض المسؤولين في المنطقة قد وصل إلى قناعة هذا مؤداها: طالما أن الأمور (على الأرض) تحت سيطرة السياسي فليصرخ المثقف والصحافي كما يشاء، ليكتب ما يريد، وليطنطن بين الفضائيات قدر ما يستطيع، لن يتغير شيء، ليس فقط لأن من يملك زمام الأمور يسيطر تقريبا على كل شيء ولكن ـ وهنا المشكلة ـ لأن السياسي يعتبر الكتابة (بكل أطيافها وأشكالها وجدالاتها) ليست سوى «تسلية» له ولغيره من صناع القرار، أو تنفيساً عن حالة الإحباط المنتشرة لدى قطاع واسع من الناس في بلاده.
غير أن ما يجب أن ندركه جميعاً هو هذه الحقيقة: مهما كانت مساحة التعبير واسعة، يبقى دور الصحافة هامشياً إن لم توجد مؤسسات رقابية مستقلة تستفيد من حرية التعبير في كشف الفساد والتنبيه إلى مواقع الخطأ. كيف يمكن أن تكون الصحافة «سلطة رابعة» في مجتمعات لا يوجد فيها سوى سلطة واحدة تهيمن تقريباً على كل شيء؟ لكأنك، هنا، ترى لصاً، واثق الخطوة يمشي، يسرق في عز الظهر والجميع يمر من حوله مردداً: «قواك الله». في مثل هذه الحالة، ماذا يفيد صراخك: حرامي حرامي؟
رئيس تحرير مجلة فوربز العربية رئيس منتدى فوربز للقيادات التنفيذية