قد يكون كثير منّا ـ حتى يومنا هذا ـ متعلقا بصورة مثالية للمثقف؛ فهو ذلك الشخص العاكف على القراءة والتأمل والنقد، الذي يجد صعوبة كبيرة في تحقيق الانسجام مع مجتمعه، فهو شخصية منعزلة، غير راضية، وأحيانا ساخطة على الواقع، لأنها تنحو في كل ما تأتيه منحى المثالية غير القابلة للتحقق في أرض الواقع التي تتطلب كثيرا من التنازلات والمرونة، وهذا ما يراه المثقف المثالي جانب ضعف، وموطن اتهام، قد يجرّه إلى التخلي عن بعض ما يؤمن به من مبادئ وقيم.

ولكنّنا في الحقيقة نحتاج حاجة ماسة إلى التفكير في هذا الأمر: هل بقيت صورة المثقف ثابتة لم يطلها أي تغيير في زمن عمّ التغيير فيه كل شيء بلا استثناء؟ وهل ما زال المثقف يمثل مجموعة من الناس تنأى بنفسها عن الاحتكاك بالمؤسسات والسلطة، وتبتعد قدر استطاعتها عن مواطن الاستمالة والضغط؟ وهل لأمثال هؤلاء الناس ـ إن وجدوا ـ تأثير قوي عميق يمتد إلى المجتمع فيغير فيه، ويحركه حراكا إيجابيا نحو التطوير والتمرد على الخلل والفساد وحالات الركود السلبية المميتة؟

تحدث إدوارد سعيد في كثير من مقالاته ومحاضراته عن موضوع المثقف الفردي، أي المثقف الذي لا يرتبط بأي شكل من الأشكال بأي مؤسسة أو جهة ما قد تشكل نوعا من الضغط عليه فتمس جانبا مما يتمسك به من مبادئ، وتجذبه نحو أن يصبح صوتا لها لا صوتا لذاته المستقلة الحرة أو للمثقفين من أمثاله.

وهو يتساءل: هل من الممكن أن يوجد مثل هذا المثقف في الوقت الراهن؟ وهو يبين أن الإجابة عن هذا السؤال يجب ألا تنحو نحو المثالية المطلقة أو الواقعية الخالصة، فنظرتنا للمسألة يجب أن تكون نظرة مركبة واقعية ومثالية في آن، فليس من المعقول ـ كما يوضح ـ أن يتخلى المثقف عن مبادئه ويبيع نفسه للمؤسسة التي يعمل فيها، فيعلن ولاءه التام لكل ما تدعو إليه هذه المؤسسة بغض النظر عن قناعته الشخصية واطمئنانه إلى أنها تترجم ما يؤمن به هو نفسه بصفته مثقفا.

وفي الوقت نفسه لا يمكن أن نطالب بالمثقف المثال، الذي يمثل صورة للفارس النبيل النقي المتجرد من أي منفعة مادية على الإطلاق. فالأول، وهو موجود، لا يستحق صفة المثقف، والثاني قد لا يوجد أبدا، وإن وجد فإنه سيفقد قوة التأثير على الآخرين، لأنه سيعيش في عزلة تامة. فالمثقف - كما يقول - يجب ألا يكون مهادنا باعثا على الأمان، ويجب كذلك ألا يكون متمردا تمردا تاما، فكل «امرئ مرتبط بمجتمع...، ويفترض بالمثقف أن يكون مسموعا من قبل الناس، وفي الممارسة يجب أن يثير النقاش، وإذا كان ممكنا، النزاع. والبديلان ليسا الهمود التام أو التمرد الكامل».

إنّ الإشكالية التي نود أن نركز عليها هنا، هي: كيف يستطيع المثقف أن يرتبط بجهة ما، مؤسسة أو جامعة أو هيئة، وأن يبقى محافظا على درجة واضحة من الاستقلالية وعدم الذوبان في سياسة هذه الجهة إذا كانت مما يتعارض مع رؤيته وقناعاته الشخصية؟

يوضح إدوارد سعيد، في سياق الإجابة عن مثل هذا التساؤل، أنّ المثقف عاش في زمن ما يواجه فئة أخرى من مثقفين يختلفون معه في الرؤية، وكان ضغط الفئة الأخرى من المثقفين إيجابيا لا يكبح الحرية ولا يقيدها. أما اليوم فإن المثقف مرتبط بجمهور ما أو صاحب عمل أو سلطة، وقد حلت هذه الجهات محل المثقف المناظر، فأصبح مثقف اليوم واقعا تحت تأثير قلق الإرضاء، إرضاء هذه الجهة أو تلك بدل الشعور بالتحدي والاتجاه نحو المناظرة والمناقشة التي كان المثقف الآخر يتيحها له.

إنّ هذه المجموعات من المثقفين، المرتبطين بالسلطة، في أي شكل من أشكالها، والتي يسميها إدوارد بالمثقفين العضويين، نقلا عن غرامشي، هي مجموعات من الأفراد «تنحاز إلى المؤسسات وتستمد منها القوة والسلطة»، فإذا تعاظمت سطوة المؤسسة تعاظم شأن مثقفيها، وإذا سقطت المؤسسة هوى مثقفوها إلى عالم النسيان، وغابوا، وأسدل عليهم الستار إلى الأبد. إن مشكلة الولاء «تحدق بالمثقف دائما وتتحداه على نحو لا يرحم».

فكثيرا ما يجد المثقف «غير العضوي» نفسه أمام خيارين، إما أن يثبت على مبادئه وثوابته، وإما أن ينساق إلى ما تدعو إليه المؤسسة التي يعمل فيها أو الجهة التي تمثل مصدر سلطة عليه. فإذا أخلص لذاته ومبادئه وجد نفسه منبوذا معزولا عديم التأثير، وإذا انساق لسلطة المؤسسة قيّد نفسه بقيد الولاء لها الذي قد يتطلب منه الاستمرار في التنازل، والبحث عن سبل الإرضاء التي لا تتوقف عند حد. وهناك طرق ووسائل كثيرة تشكل عوامل ضغط على المثقف، «فلا يزال المجتمع يطوق المثقف ويحاصره، بالجوائز والمكافآت أحيانا، وبتشويه السمعة أو الاستخفاف بعمله كله أحيانا أخرى».

وهناك ضغوط أخرى ـ كما يشير إدوارد ـ تكبح حرية المثقف، وتقلل من تأثيره، وتقيد حريته، حتى تدخله في دائرة المثقفين العضويين، أصحاب الولاء التام لمؤسساتهم، الذين تخلوا عن دورهم القيادي في إحداث التغيير نحو الأفضل، وفي الثورة على الوضع القائم المستند إلى كثير من صور الخلل والفساد.

نعود مرّة أخرى إلى القول إنّ أكبر تحد قد يواجه المثقف في الوقت الراهن، هو محاولة إيجاد نقطة التوازن بين المثال والواقع بحيث لا يغرق في بحر مثقفي السلطة.

ولا يعيش في برجه العاجي بعيدا عن الحياة والمجتمع الذي يتوقع منه أن يقوده نحو الصلاح والخير والجمال. وهنا يبين إدوارد أن أخطر ما قد يواجهه مثقف هذا الزمن هو «النزعة الحرفية»، أي أن يرى المرء دوره كمثقف شبيها بأي شيء يفعله من أجل العيش، فيرى نفسه ملزَما بتحقيق شرط الانسجام مع الآخر، أيا كان هذا الآخر، فلا يسبب القلق، ولا يضل خارج النماذج أو الحدود المقبولة.

ويعد نفسه قابلا للتسويق، وصالحا للعرض. على المثقف أن يفصل بين كونه موظفا أو صاحب حرفة ما في جهة أو مؤسسة من المؤسسات، وكونه فردا أخذ على عاتقه مهمة الإصلاح والتغيير ونبذ الفساد والخلل بكل أشكاله، بحيث يبقى دائما مصدر الوعي، وصوت الحق، «قوة عنيدة منهمكة كصوت ملتزم ومتميز في اللغة والمجتمع بعدد كبير من القضايا يجب العمل عليها كلها في النهاية، بالربط بين التنوير والحرية».

ltfibrahim@yahoo.com

جامعة الإمارات