لكل المؤسسات في كل العالم ثقافة خاصة تستمدها من طبيعة المجتمع الذي تعمل من خلاله المؤسسة، كما تستمدها من تشابك العلاقات والمصالح داخلها، وهنا نتوقف عند الثقافة السائدة في بيئات العمل في الإمارات سواء كانت مؤسسات اتحادية أو حكومية، خاصة أو شبه خاصة، فهناك قاسم مشترك من هذه الثقافة يشيع بين موظفيها ويسود علاقاتها التراتبية في الداخل وينعكس حتما على نفسيات وأداء الموظفين كما ينعكس على درجة الجودة والتميز في الأداء.. وحتما فإن للصراع نصيبه الأكبر وإن كان في مؤسسات القطاع العام يأخذ بعدا سلبيا ومحبطاً عنه في القطاع الخاص.

لم يكن الحال قبل سنوات قليلة بهذه الحدة، لكن أسبابا عديدة قادت إلى واقع الحال الذي نعيشه ونسمع عنه، ولعل الانفتاح، ومجال الإثراء الواسع والاستفادة القصوى، وكذلك مئات الجنسيات والأشخاص الطامحين للثراء، وتغير المفاهيم ودرجة الانتماء، وآليات الصراع وازدواجية معايير النجاح والتميز، مع ما طرأ على منظومة القيم من تغييرات كل ذلك وغيره قاد إلى هذه الثقافة التي نحن بصدد معاناة نتائجها على جميع المستويات، مستوى الموظف والإدارة والأداء والمنتج معا!

لقد أنتج هذا الخلط والخليط معا ثقافة جديدة يسعى أصحابها إلى تنمية مصالحهم الشخصية فقط على حساب كل شيء، فتمددت دوائر المصالح والعلاقات الشخصية والمحسوبيات على حساب الجودة والمصلحة العامة والقيم المهنية، وولد ذلك كله حالة من الخوف والصمت والنفاق، الخوف من المشي عكس التيار السائد حتى لو كان هذا التيار خطأ فعليك أن تسير في ركابه طالما هو التيار الأقوى، لا تفكر أن تحتج أو ترفع صوتك بالنقد فمصيرك باب الخروج حتى بدون كلمة شكراً مهما كان مقدار تفانيك ونقاء سجلك الوظيفي.

ومن ثم الصمت إزاء كل ما يحدث، روض نفسك على رؤية الخطأ والتجاوز وحتى الفساد دون ان يرف لك جفن، لا تفكر بمنطق مصلحة البلد ومصلحة الناس، فكر بمصلحتك وسترى النتيجة، ثم نافق قدر استطاعتك، نافق المدير ونائب المدير، ورئيس القسم وفراش القسم وسكرتيرة المدير و... وسترى النتيجة التي تسرك، ستدخل على المدير ساعة تشاء وستسير أمورك كما تحب، وحتما ستكون في قوائم الترقيات باستمرار!

مع ذلك لنعترف بأن الأخطاء والتجاوزات موجودة باستمرار وفي كل مكان في العالم وأن بيئة عمل نظيفة بنسبة 100% شيء من المستحيل، نعم ذلك صحيح لكن علينا ان نضع في حساباتنا ان حداثة المجتمع وعمر مؤسساته لهما دور كبير في التخفيف من حدة ومستوى الأخطاء، فكلما كان المجتمع ومؤسساته أكثر حداثة وأقل عمراً في مجال الإدارة والصراعات كان ذلك سببا أو مدخلاً لبناء إدارات نظيفة وتكريس قوانين شفافة بخلاف المجتمعات ذات البعد الزمني العميق والتراث الضخم من الفساد والبيروقراطية، وعليه فكيف نسمح بتراكم هذه الثقافات السلبية التي لن تعود علينا إلا بالدمار؟

ان المجتمع يفقد الكثير بسبب شيوع مثل هذه الثقافة ويراكم للغد حصيلة سيئة ستعرقل الكثير من الطموحات، ومن هنا فلابد من وجود إدارات شكاوى مستقلة تمنع هذا التردي الإداري الحاصل وهذا الفقد البشري لأهم الكفاءات بسبب الجهل وضيق الأفق، لابد من محاكم إدارية مستقلة تحقق في كل التجاوزات بنزاهة وشفافية، وبمنطق معالجة الأخطاء من جذورها لا معالجة كل حالة على حدة!

ayya-222@hotmail.com