في أواخر الخمسينيات وكل عقد الستينيات كان الزعيم والمذياع، والكاتب الصحفي الذي أخذ من الدعاية ما لا يستحق، هم من يرسمون تحركات الجماهير في الشارع، يدعونهم للاضرابات باسم مواجهة العدو الغربي، وظهر في تلك الموجة مبدأ الالتزام السياسي، والأدبي، والحزبي، وباعتبار الجماهير كانت مادة جاهزة لتلقي الأوامر وتنفيذها، فقد جاءت الاضطرابات على شكل احتجاجات أقرب للعفوية منها إلى المنظمة ايديولوجياً.

وكان السائد أن الذي لا ينتمي لتنظيم، ولو بالتقليد الأعمى فإنه لا يستطيع معايشة الآخرين ويعتبر مجرد (إمعة) بلا رأي ولا فكر، حتى إنك تشاهد في كثير من الدول العربية تآلفات تجمعها الانتهازية، وتفرقها الوقائع، باسم التجمع الوطني أو التآلف القومي، وكان من ضمن تلك الرموز مؤسس حزب البعث، وممثل الاحزاب الشيوعية في الوطن العربي، وباني حركة القوميين العرب، وكانت هذه التجمعات، رغم طروحاتها المتفقة على النضال ضد الامبريالية، والاستعمار، وأعداء الأمة العربية، إلا أنها أكثر من تحارب بتصفيات جسدية، أو الدخول للسجون إذا ما قدر لتنظيم ما الانتصار على الآخر بانقلاب عسكري.

التقلب السياسي لم يكن جديداً على الساحة العربية إذا ما عرفنا أن أئمة مساجد دعوا بطول العمر لزعامات فرنسية وبريطانية، ثم تلاهم من رفعوا صور ماركس، ولينين، وماوتسي تونغ، وعفلق، وعبدالناصر، وعبدالكريم قاسم، وحتى زعامات أفريقية مثل باتريس لومومبا، وأمريكية لاتينية كتشي غيفارا، أو مؤسسي عدم الانحياز.

فشلت تلك الاتجاهات، وبدلاً من محاكمة ظرف زمني كامل، وملابسات أخطائه، حدث الفراغ الهائل، فقد ذهبت الزعامات والتنظيمات، والاحزاب وكل (الدفّافين) وراء الشعارات وبدأ الالتفات لاحتياجات الناس باعتبارها أهم من أطعمة الايديولوجيا بيسارها ويمينها، فجاء التصحيح دموياً لينتقل من أصحاب الوجبات العشر في إعدام الرفاق إلى الفرز الكامل بمن هو المؤمن والكافر، فحدث الانشقاق الأكبر، وبدأت تظهر زعامات أممية أكثر تصميماً على الموت.

وإذا كان الرفاق في الماضي القريب يضبطون ساعات معاصمهم على توقيت ساعة الميدان الأحمر في الاتحاد السوفياتي، فقد صار لليمينيين توقيت (غرينتش) في لندن، والمفارقة أن هؤلاء وأولئك رسبوا في امتحان قيادة شعوبهم بأي اتجاه، ليرث المرحلة الزعيم الروحي، ومن ثم تنطلق اسماء وشخصيات، واتجاهات تأخذ اسم الإسلام، لكن بتوجهات مغايرة، وتحول الأمر أن ما لا تكسبه بالفكر والتبعية، وإنفاذ الفتوى، يطوع بقوة السلاح فصار الطريق ممهداً للإرهابيين بكل اجناسهم الدينيين، والدنيويين، وهي أزمة افترق المسلمون على تصنيفها وتشخيصها.

فإذا كان الإسلام العظيم حضارة وانتشاراً استطاع ان يصل إلى العالم البعيد بالدعوة وليس بالإكراه، او السيف، كما يقول أعداؤه، فإن ما تم بناؤه في القرون الماضية، بدأ مع مطالع القرن الخامس عشر الهجري بضياع البوصلة الإسلامية لتتحول الاتجاهات إلى تآكل داخل الأسرة الكبيرة، وأصبح لكل طائفة إمام ومفت، وخطيب، ومنظّر للجهاد، فهل جاءت هذه التحولات، بفعلنا أو من خلال ضمير مستتر لا زال يرقد في عقولنا وأفكارنا كعدو قاتل ومفرّق للجماعات؟.