تكثفت في الشهور الأخيرة ظاهرة التطرف والتشدد الديني، فقد احتلت عناوينها صدارة الصحف، ففي الوقت الذي كانت أدخنة نهر البارد في أوج عنفها وصدامها، شهدنا عملية الاقتتال الدموي العنيف والشرس بين حماس وفتح في غزة. وكانت في الوقت ذاته، عملية مداهمات بوليسية وتحقيقات أمنية تمتد من أوروبا حتى استراليا والشرق الأوسط، مست عناصر إسلامية متشددة، متهمة إياها بعلاقتها بالقاعدة.

ناهيك عن دوامة الساحة العراقية، ملاذ الهاربين من قوائم بلدانهم. فبدا صيفنا هذا العام أكثر سخونة وتوترا، فقد أعلنت الدول الغربية حالة التأهب والتحذير لرعاياها، وتشديد المراقبة على تحركات الجماعات الإسلامية، التي تعيش بين ظهرانيها.

في هذه الأجواء المتوترة، عثرت شرطة اسكتلنديارد على سيارتين مفخختين في لندن، وانفجار الأخرى بعدهما في مطار غلاسغو، لتبدأ بعدها سلسلة الاعتقالات وسط الجماعات الإسلامية، كان نصيب الجنسيات العربية بارزا، جل نخبتها هذه المرة من طلبة الطب، لكي تعيد الأنظمة حساباتها، حول تغلغل التنظيمات المتطرفة والمتشددة في أوساط جديدة بصورة مثيرة للتساؤل والجدل.

في هذه المناخات الداعية للتساؤل، خرج علينا أيمن الظواهري، بخطبته وتعاليمه وتوجيهاته واستعراضه، وهي عادة منتظمة درج عليها في المناسبات، إذ تبدو مهمته في «الأبوية السياسية» توجيه رسالة عالمية للمسلمين، بمواصلة إعلان الحرب على جبهتين، الحكومات المتحالفة مع الغرب الصليبي، والتي نعتها بالحكومات الفاسدة، والحرب على جبهة الغرب عالميا عن طريق واحد لا غير وهو العنف، لهذا انتقد حماس، لكونها قبلت بمشروع الحوار السياسي والديمقراطية، التي لن تكون إلا بمثابة الخدعة والإلهاء عن الصراع مع العدو الصهيوني.

هذه الديباجة درج على إرسالها إعلاميا، وكل ما يحتاجه تغيير في التفاصيل المرتبطة بالأحداث والمستجدات، بينما بدت القضايا الجوهرية والإستراتيجية لتنظيم القاعدة ثابتة وواضحة، وكان من الضروري أن تلتقي الأجهزة الأمنية والعسكرية لبلدان مجلس التعاون في الرياض، لمعالجة تلك المؤشرات الجديدة والحوار حولها كأجندة مستعجلة، فمع بداية كل صيف حتى نهاية سبتمبر، يعيش العالم حالة من الترقب والمفاجآت، هنا وهناك، عبر تحريك عناصر ضمن شبكة منظمة القاعدة ومؤيديها وأنصارها، وان كانت بمستويات متباينة، حسب قوتها وضعفها وظروفها الجديدة في المناطق.

غير أن الظاهرة الكبيرة في المواجهات العنيفة، بعد نهر البارد، بدت حرائقها في باكستان، فهي الخزان الحقيقي والمعركة الفاصلة مستقبلا، بين المنظمات الإسلامية المتشددة وحكومة برويز مشرف، الرئيس المطلوب رأسه منذ وقت طويل، والذي دعا في اجتماعات إقليمية عقدت في الشهور الماضية، لدعم حكومته لمناهضة الإرهاب. فكانت الملاحقات الأمنية في مناطق باكستان الحدودية، وللحلقات السرية في المدن، وقد بدأ تعاونها في الملاحقة وتبادل المعلومات، مع البلدان الأخرى حول مسألة الإرهاب يؤتي أكله، وصار موضوعا محسوسا أخذت تشعر به القاعدة في الشهور الأخيرة.

حيث تعتبر باكستان مركز القاعدة التنظيمي والرمزي، ومعقلها الأخير بعد سقوط حكومة طالبان. كان لا بد من تحريك طلبة المسجد الأحمر، والبؤرة المفرخة للمشروع البديل، والمماثل لطالبان في مدينة إسلام آباد. وقد كان واضحا من خلال الغطاء الديني للمسجد الأحمر، وهو أسلوب عمل القاعدة والتنظيمات المتشددة، بتحويل المسجد إلى خزان أسلحة.

وأنبوب لوجستيي ووعاء تنظيمي بين الجيل الشاب، خاصة أن الفقراء في باكستان، يجدون ضالتهم في الوعود الزاهية حلا لمشاكلهم في مفردات الظلم والعدالة والفساد، التي تجتذب الشبان المتحمسين في دول نامية، تعشش فيها ظواهر سلبية كثيرة، بما فيها حالة الفقر، لهذا كان إغراء المتمردين في المسجد الأحمر بالاستسلام مقابل 5000 روبية ( 83 دولاراً) تعكس مأساة العرض «المغري».

مأساة المسجد الأحمر هذه المرة، ليس بتحويله إلى ساحة عنف ومغامرة سياسية وحسب، بل بزج الطلبة نحو الهزيمة والموت المؤكد، بدفعهم للمواجهة الدموية، بل والجديد في الظاهرة هو ارتفاع نسبة الإناث، كقوة تنظيمية صدامية مهمة في عملهن المتنوع، بما فيها دورهن اللوجستي، في مجتمع منقب ومحافظ وتقليدي ينبغي استثماره في العمل السري، كما فعل «مولانا» عند لحظة الهروب فأخفق في نقابه، حيث يحاول الرجال استغلال تخلف المرأة، وركونها وخضوعها لأوامر «سيدها الرجل».

ما رأيناه وسمعناه في وسائل الإعلام، يبدو قليلا، بحجم المعلومات المتوفرة للأمن الباكستاني، بعد أن قرر الزعيم الهروب، وترك مريديه وأنصاره وطلابه، يواجهون قدرهم في مسجد محاصر من كل الجهات، ولا يمكنه الصمود طويلا في مواجهة عسكرية فاصلة، فليست تلك إلا مغامرة وانتحار وجنون، لا يقبلها إلا محبطين أو مشبعين بمفهوم الجهاد الانتحاري، كجزء من مفاهيم متشددة، تم غرسها في ذهن طلاب وطالبات قليلات التجربة والوعي، كان من المفترض أن يتعلمن الدين وأصوله، وجوانبه الفقهية والشرعية المعروفة بالاعتدال والسماحة، بدلا من تحويل دروسهن إلى ثقافة العنف والموت.

وبممارسة طلاب المسجد الأحمر، أحكامهم الفقهية على الناس كما يرونها، وكأنهم دولة داخل الدولة، وإمارة مستقلة بمشروعها الخاص، كان على حكومة باكستان إيقاف تمدده فجاءت الطامة الكبرى. دون شك لن يصمد، طلاب مرتهنين حاليا بيد مجموعة صغيرة، هي البؤرة الحقيقية للتحريك، وهي البنية التنظيمية وشبكتها الفعلية، والتي تشعر أنها تورطت في العنف، وعملية قتل زملائهم، الذين قرروا الفرار، إلى جانب الآخرين، القابعين تحت رحمة حصار خارجي، وسلاح داخلي موجه إليهم بالتصفية بتهمة الاستسلام والخيانة.

ما قاله مولانا عبد العزيز غازي، عن أن الأسلحة قدمها أصدقاء، لن يمر بسهولة لدى الأمن الباكستاني، الذي بات معروفاً في ملفاته من هم الأصدقاء بالأسماء والعناوين، كما أن مفرداته المطاطية للإعلام عن أن مسجده لديه علاقة مودة وتعاطف مع كل المنظمات الجهادية غير صالحة ولا تحمل معنى، فالمؤسسات الأمنية تعصرك كالليمونة، كلما توفرت لديها معلومات، بل وتتركك كخيط متحرك في الخارج نحو هدف مطلوب.

ما فعله ويفعله عبد الرشيد غازي شقيق مولانا من هستيريا واضطراب في رده على الإعلام، يبرهن أن التوتر بلغ ذروته في الداخل، وان التناقضات واليأس بدأ يدب في صفوف مجموعات طلابية اغلبهم بنات، ولا يمكن أن تكون متوازنة عسكريا مع تلك القوات خارج المدرستين الدينيتين التابعتين للمسجد الأحمر.

فهل نتوقع مزيدا من حمرة الدماء تلطخ المكان، بالإضافة لما سكب ونزف من قتلى وجرحى حتى الآن، أم يحدث استسلام كامل يحافظ على أرواح الرهائن، الذين دخلوا لعبة الحماس الطلابي الجهادي، وتورطوا في مسألة سياسية تفوق قدراتهم وفهمهم، ولن يكون مصير تلك البؤرة، التي تقود عملية العصيان إلا مغامرة انتحارية، تنتهي كما بدأت، بحماقة مأساوية للعائلات الباكستانية، التي بعثت بفلذات أكبادها، على أساس تلقي العلوم الدينية لا غير.

ما بين مسافة بريطانيا وباكستان، وغلاسغو وإسلام آباد والمسجد الأحمر ولندن، هو تلك العلاقة التنظيمية الخفية المنتظمة، بين أولئك الطلبة والشبان، الذين يأتون من بريطانيا تحت غطاء «الكورسات الصيفية» بحجة الدروس الدينية، بينما يكون «المسجد الأحمر» نقطة التقاء وتبادل المعلومات والعودة إلى حيث أتوا، فبؤرة وحلقات التشدد الإسلامية في بريطانيا، اغلبها من أصول باكستانية كما وردت في التقارير، غير أن ما تم ضبطه مؤخرا في بريطانيا عبارة عن كوكتيل جنسيات عربية، يجمعهم التشدد والجهاد والعقيدة ضد عدو مشترك.

كاتب بحريني