قراءة المشهد العربي بعمق وبتؤدة تقول إن العرب أو معظمهم فقدوا استقلالهم. تعالوا نستعرض الصورة الحقيقية التي تنبئ بهذا الأمر. ما يحدث في السودان من كر وفر بين حروب صغيرة وكبيرة مدمرة يذهب ضحيتها مئات الآلاف من الضحايا تتدخل فيها القوى العالمية وتستنزف طاقة السودان الاقتصادية، تقول لنا الوثائق الدولية إن أردت أن تقنع السودان بشيء أو بخطوات عمليه لقبول تدخل دولي لتخفيف المآسي الإنسانية.
فعليك بالحديث مع الصينيين، لأنهم قادرون بسبب علاقاتهم الاقتصادية المتجذرة، أن يقنعوا السودانيين بفعل شيء أو نقيضه. وان أردت أن تتحدث مع حماس في غزة عليك أن تتجه إلى عنوان غامض في دمشق يسكنه المتحدث الرسمي لحماس، الذي سوف يتريث حتى تأتيه الإشارة ليس من وسط دمشق، بل ومن طهران أيضا.
أما إذا كان ثمة محكمة لمتابعة معرفة حقيقة مسلسل القتل البارد للسياسيين في لبنان، من الرئيس رفيق الحريري إلى القاضي عيدو مرورا بكل الضحايا في لبنان المنهك، فعليك أن تقرأ الفصل السابع من شرعة الأمم المتحدة، وترى كيف تتصرف الدول الخمس الكبرى صاحبة العضوية الدائمة في مجلس الأمن تجاه الموضوع برمته.
أما إذا كنت متشوقا لمعرفة سبب الأحكام القضائية المتناقضة على الممرضات المتهمات بنقل الدم الملوث في ليبيا فعليك أن تسأل الاتحاد الأوربي، لا حاجة للحديث عن قرار بغداد الموجود أولا في مكتب السفير الأميركي في المنطقة الخضراء في قلب بغداد، السيد أيان كروكر، ومن ثم دوائر الخارجية والبنتاغون والبيت الأبيض.
أما إذا أردت أن تعرف لماذا تتم بعض الإصلاحات العرجاء الشكلية في بعض العواصم العربية، فعليك أن تقرأ التقارير الدولية حول حقوق الإنسان ووضع المرأة، أما إن كانت لك رغبه في معرفة من أين تتدفق الأموال على الخلايا النائمة في كل مكان تقريبا من ارض العرب فان الجهات الدولية تستطيع أن تخبرك من أي مصدر هذه الأموال قادمة؟
وهكذا تتسرب حقوق السيادة العربية التي ناضل جيل كامل من اجل استردادها. انه فشل في بناء الدولة الحديثة صاعق وغير مسبوق إلا في بعض مناطق أفريقيا السوداء.
أما الصورة من قريب فان اجتماعات الجامعة العربية هي حبر على ورق، فلم تعد لجهود أمينها العام الدائر على نقاط السخونة الكثيرة حوله قدرة على التأثير الايجابي ولو بقليل على الأحداث العربية الجسام، فان هو توجه إلى بيروت قيل له كلم طهران، وان توجه إلى الخرطوم قيل له اذهب إلى بكين. وهو في كل الأحوال يرى مرجعية في الأمم المتحدة أكثر تأثيرا في العواصم العربية المختلفة من تمنياته وحكمته حتى الآن منعته من الذهاب إلى المغرب والصحراء لأنه يعرف أن مفتاح الربط والحل ليس إلا في مكان آخر.
يجتمع الفلسطينيون في مكة، يحلفوا بأغلظ الإيمان أنهم سوف يقوموا بتحريم لحم الفلسطينيين على رصاصهم، وما هي إلا أسابيع حتى يأتي أمر عمليات من مكان ما (حرروا غزة من الخونة والكفار معا) ويحدث أن يضرب رصاص الفلسطينيين بعضهم بعضا، كما لم يضربهم عدوهم.
ما تفسير هذه المشاهد العبثية في الوقت الذي تسير فيه أمم كثيرة في هذا العالم صغيرة وكبيرة إلى الاستقلال والتنمية، ويسير فيه العرب في الطريق المعاكس!
ببساطة الأسباب متعددة، على رأسها أن قوى سياسية ذات إسناد أصولي تركت مليا للتحكم في الشارع العربي الذي هيئ كي يقبل التسلط، وبسبب قوى حاكمة تريد الشهد دون أن تعرض نفسها لقرص ابر النحل، شاخت أو تداخلت مصالحها الضيقة مع المصالح العامة، فغابت المصالح المرسلة تحت وطأة تقنين الفساد وحرمان الناس من حق أدنى للتعبير.
كل ذلك أنتج أغلبية مغلوبة على أمرها، يساندها الجهل والتجهيل.
فعدتها المعرفية التي تتغذى عليها وتسيطر على جمهرة العقول العربية هي دون الحد اللازم لمعرفة ما يجري حولها، وبسبب كل تلك العوامل فقد التصور المعقول للخروج من المأزق التاريخي، وسارت شعوب عربية كي ترتطم بالحائط وهو الحروب الأهلية. العرب الفاعلين والمؤثرون لا يخرجون عن نخبتين، واحدة خارجة عن المحيط، وأخرى خارجة عن العصر.
ملامح الخطر مرئية أمام الجميع، رغم أن اكتشافها تم قبل سنوات وأشار إليها كاتب ياباني هو نوبوواكي لوكهارا في عمله ذائع الصيت (العرب بعيون يابانية)، عمل تحدث عنه بعضنا أكثر من مرة، إلا أن تحذيراته ذهبت أدراج الرياح، لقد قال في كتابه إن هناك توترا في الشارع العربي وصفه بـ (صراخ الصامتين) ووجد في صلب أسبابه (غياب العدالة) كما قال، ثم أردف في (اليابان تضاف حقائق كل يوم بينما العربي يكتفي باستعادة الحقائق التي اكتشفها في الماضي البعيد)، وهذا ينطبق على الاقتصاد والاجتماع والسياسة العربية.
الصين من جهة أخرى تسعى جاهدة لتحقيق اللحاق بالعصر، وان تكون جزءاً من هذا العالم سريع التغير، في حين أن العرب يبدوا أنهم خارج العصر، عرضوا أوطانهم للأخطار، يقاتل بعضهم بعضا تحت شعارات جوفاء، ومثل الصين دول ومجتمعات عديدة حولنا. وليس من العقل أن نقول إننا اصطدمنا باحتلال عنصري، كما حدث في فلسطين لتبرير ما نحن فيه، تلك ذريعة، فقد واجهت شعوب كثيرة مآسي اكبر، وخرجت من الرماد لأنها قررت أن يكون لها موقع تحت الشمس.
لن نذهب بعيدا عن الحقيقة عند القول إن لب أزمة التنمية العربية (السياسية والاجتماعية) هو ضعف الإدارة العامة أي هشاشة المؤسسات التي فشلت فشلا ذريعاً في تفعيل رأس المال الاجتماعي، وهم الأفراد العرب القادرون والمؤهلون لبناء دولة حديثة. وليس هذا ذنب الحكومات فقط، بل هو ذنب تتقاسمه الأحزاب والنخب حتى خارج الحكم والسلطة. كل ذلك أدى إلى أن تفقد الدول العربية أو كثير منها (السيادة الوطنية).
وهي لم تفقدها نتيجة التدخلات الأمنية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر الزلزالية، التي لم تقرأ نتائجها حتى اليوم بدقة، ولكن أيضا نتيجة فشل ذريع في عدم حفظ الحد الأدنى من القيم الإنسانية. انظر إلى التقارير الدولية الخاصة بـ (الأوضاع الإنسانية)، حقوق الإنسان وحقوق العاملين وحقوق المرأة والطفل والحقوق الإنسانية للأقليات. سوف تجد أن أكثر الملامين في هذه الملفات هم العرب.
لهذه الأسباب فقد العرب استقلالهم، وإذا لم يقتنع احد بذلك فهل يستطع أي منا أن يجيب على سؤال لماذا وقد دخلنا حروباً مع إسرائيل لمدة أربعة عقود حتى الآن، تنتهي تلك الحروب بقوات دولية على الحدود، ولكنها تعسكر في حدودنا.
هل بقي شيء من الاستقلال نتحدث عنه؟
كاتب كويتي