هناك بديهيات اصبحت تحكم مسار الصراع العربي الاسرائيلي، هذه البديهيات يتقاسمها كل من الطرفين العربي والاسرائيلي على السواء ولكن كلا منهما حسب (أجندته) وأولوياته، فالعرب اولوياتهم اعتمدت السلام والمفاوضات كخيار استراتيجي في التعامل مع اسرائيل حسبما يرغب المجتمع الدولي، كما ان من اولوياتهم ايضا ان يسود النهج الانساني والاخلاقي في التعامل مع الشعب الفلسطيني واعتماد اسلوب شفاف في التعامل مع قضيتهم.

لكن الجانب الاسرائيلي له اولويات اخرى، اهمها الحفاظ على الخلل في ميزان القوى لصالحه وعدم اعطاء تنازلات ذات اهمية للعرب مهما كانت حميمية المفاوضات ونشاطات الوساطات، وكل ما يعطيه الاسرائيليون هو مجرد وعود وتنازلات دعائية.

ضمن هذه التنازلات الدعائية يأتي قرار الإفراج عن 250 معتقلا فلسطينيا من (فتح) وهو امر مرحب به من حيث المبدأ، لان هذا الافراج يتوافق مع النهج العربي في السلام، كما انه يتفق مع البعد الانساني لملف الصراع بين الفلسطينيين واسرائيل المحتلة لاراضيهم. واذا وضعنا في الحسبان ان هناك 130 امرأة و350 طفلا دون الثامنة عشرة من الفلسطينيين يرزحون في سجون الاحتلال فأي نوع من المفرج عنهم ستتضمن القائمة التي وضعتها الحكومة الاسرائيلية؟.

ان المسألة الفلسطينية لايجب ان تكون رهنا بادعاءات حسن النية التي تعلن عنها اسرائيل عقب كل جولة مفاوضات ، فلاحسن نية مطلقا في مساعي اسرائيل لتعميق الفجوة بين فلسطينيي الضفة الغربية الذين يناصر معظمهم حركة فتح، وبين فلسطينيي قطاع غزة الذين يناصر معظمهم حركة حماس.

وبينما كان التنوع في الانتماءات للفصائل المقاومة لا يشكل عنصرا سالبا في حركة الكفاح الوطني الفلسطيني عبر تاريخه، إلا اننا نلحظ خططا ومساعي اسرائيلية مدعومة اميركيا واوروبيا، وان تكن بنسب متفاوتة لتحويل هذا الانتماء الفصائلي الى سلاح ضد المقاومة الفلسطينية وليس معها.

ان الحرية شيء لا يمكن ان يقدر بثمن، ومهما كانت انتماءات من سيفرج عنهم بموجب القرار الاسرائيلي فان تنسمهم هواء الحرية امر يثلج الصدر لكن الرسالة الاسرائيلية من وراء ذلك لا يمكن ارتكاب اي خطأ في قراءتها.

لقد التقى فياض وباراك امس، وهناك ترتيب يجري للقاء عباس وأولمرت لاحقا، ونأمل ان يلمس الفلسطينيون في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة على السواء ضوءا في نهاية النفق مع تعدد هذه اللقاءات وعدم اعطاء اسرائيل الفرصة لمواصلة لقاءاتها (الدعائية) الجوفاء، حتى لا تتردى القضية الفلسطينية في مزيد من التراجع والاضمحلال الذي نتج عن سياسة المحاصصة التي انتهجتها كل من فتح وحماس في الآونة الاخيرة وادت الى توسيع الفجوة بين سكان الضفة وسكان غزة في الاراضي الفلسطينية المحتلة.

ومن ثم فينبغي احترام موقف الظهير العربي الذي لا يرى بدا من العودة الى مائدة الحوار، مع عودة الوفد الامني المصري الى غزة ووضع آليات واضحة للتعايش بين فتح وحماس تحت مظلة العمل المقاوم سواء مقاومة عبر المسارات السياسية ، على ان لا يتوه الهدف الاسمى امام اي من الفصائل وهو هدف تحرير الارض ووقف الاهانات والاعتداءات ومسلسل الموت المصاحب للاحتلال الاسرائيلي.