ودائماً، على أبواب الصيف، حيث ينتظر المواطن اللبناني غلال الأشهر العجاف، يكون لبنان مسرحاً لأحداث مشبوهة ومفتعلة، فهذا البلد الصغير وكما هو معروف يمتلك ثروة السياحة الطبيعية التي ترتبط ارتباطاً عميقاً بالاستقرار الأمني وبالأمان الاجتماعي.
فماذا يحدث، وهل صحيح أن ثمة جهات خارجية تتعمد إثارة الاضطرابات في لبنان على أبواب «القطاف» أي الانتعاش السياحي، أم إن هناك قضية أخرى تكمن في «الداخل» اللبناني، وتشكل الأرضية الخصبة التي تحتضن وتتلقف هذه الاضطرابات، وتعيد «تلميعها» محلياً، فعلى المستوى اللبناني، ودائماً أتكلم عن القرار الرسمي اللبناني، أي الجهة الممسكة بالقرار، التي يجب أن تتخذ القرار، لا يمكنني أن أفهم، أو أقدّر، أو أستوعب أو أجد أجوبة لهذه الأسئلة، لماذا هذا التأخير غير المقبول في:
أولاً: معالجة موضوع نهر البارد عبر الحل العسكري الصارم القائم على استئصال عصابة الإجرام هناك، لأن المهادنة في هذا القرار وعدم تنفيذه سيؤدي إلى فتح جبهات أخرى ضد الجيش اللبناني، لتشتيت قوته، وتوزيع قدراته وصولاً لإضعافها. علماً أنه كان من المنتظر من القوى الأمنية اللبنانية أن تحسم هذا الموضوع خلال 48 ساعة، ولا ندري لماذا تأخر العلاج الناجع لغاية اليوم.
ثانياً: يجب أن توقف الحكومة اللبنانية الاجتماعات والاتصالات التي لا جدوى منها، كما يجب وقف كل أنواع المفاوضات والمشاورات والتسويات والمواقف الوسطية والمماحكات السياسية الفارغة حول موضوع اجتثاث المجرمين من مخيم نهر البارد، والتعامل مع هذه القضية على أنها اعتداء على الأمن الوطني والقومي للبنان لا تخضع للمساومات.
ثالثاً: لا بد من وجود قرار في لبنان، قرار تاريخي بإنشاء وطن، بقيام نظام آمن، قرار رجولي يعرف كيف يحمي هذا الوطن في زمن تتألب على هذا البلد الصغير الكثير من القوى والدول.
رابعاً: على المسؤولين في لبنان، أصحاب القرار أن يقدرّوا قيمة ما يمتلكون (أي هذا الوطن) وأن يعملوا على حماية مرتكزاته بحزم فعليهم ضبط الحياة السياسية في لبنان والوقوف بوجه استشراء هذه الفوضى السياسية القائمة عبر أحزاب وتجمعات وتيارات وجمعيات وهيئات، لا تضع في أولوياتها المصلحة اللبنانية العليا، بل هي وفي أحيان كثيرة تُشكل اختراقات وامتدادات للخارج الذي لا يريد خيراً للبنان.
إن تنظيم الحياة السياسية، يقتضي في ألف بائه أن يكون الولاء للبنان، وللبنان أولاً في أدبيات أي حالة سياسية لبنانية، وأن يحظر على أي حالة أيضاً أن تكون ملحقاً للخارج أو جالية له، أو معبّراً عن سياساته أو مقيماً ومروجاً لثقافته .
خامساً: كما أنه على الدولة اللبنانية أن تبحث وضع الفلسطينيين في لبنان بالتعاون مع الجامعة العربية واستنباط الحلول التي تؤدي إلى إنهاء الوضع المزري الذي يتحملونه منذ أكثر من خمسين عاماً.
أيضاً بعض الأسئلة:
1) لماذا لا يتم التخفيف عن الفلسطينيين والنظر في السماح لهم في العمل في المهن التي هم ممنوعون عنها حالياً؟ إن الغرب البعيد، لا يمنع عنهم ممارسة أية مهنة من تلك المهن، هنا لن أتكلم عن الخليج العربي الذي يعتبر الفلسطينيين أخوة وشركاء وأبناء بلد.
2) لماذا لا يتم تحسين الوضع الإنساني للفلسطينيين في المخيمات والعمل على ضمان الحياة اللائقة والعيش الكريم لهم؟
3) لماذا يعلّب جواز السفر، أو وثيقة السفر وتقونن حرية الانتقال الآمن، والعودة الآمنة بدون إذلال على الشعب الفلسطيني؟، وهو أصغر الأشقاء العرب لا بل هو جرح العرب، وغصتهم، وقضيتهم، ويتيمهم الذي انتزعت منه أرضه وبيته، بعجز عربي، حتى لا أقول أكثر، ولديّ الكثير مما أقوله.
4) لماذا تعيش بعض القيادات الفلسطينية في رفاهية، وتترك شعبها يعاني الأمرّين في المخيمات؟، من هو المسؤول عن هذه الهوة السحيقة بين الشعب الفلسطيني وقياداته على المستوى المعيشي؟
5) لماذا تركت الفصائل الأساسية والكبرى في منظمة التحرير، الحبل على غاربه في مخيمات لبنان؟، وكيف تسللت مجموعات إرهابية إلى مخيمات لبنان، وتحديداً في نهر البارد؟
6) هل صحيح مما نسمع أن بعض الفصائل الفلسطينية تدعم بالرجال والسلاح والذخيرة هؤلاء المجرمين في مخيم نهر البارد؟
7) ومن المسؤول عن تحويل مخيمات القهر والحزن إلى ملاذ ومأوى للمجرمين والإرهابيين، والخارجين عن القانون؟
8) لماذا تصرّ الفصائل الفلسطينية في لبنان على الاحتفاظ بالسلاح بكل أنواعه الثقيل والمتوسط؟، وهل أثبت هذا السلاح فاعليته يوماً ما إلا عبر الاقتتال الداخلي؟ عفواً، لا شماتة، ولا تعميم، إنما تساؤل من موقع الحرص الواعي.
10) ألا يدري اخواننا الفلسطينيون في لبنان، أن أمنهم يجب أن لا يكون ذاتياً، ولن يكون إلا عبر أمن عربي شعبي شامل؟، وإن السلاح، لا يصنع أمناً ولا يصنع سلاماً، ولا يصنع عودة، ألا يدّرون أن عليهم أن لا يكونوا بؤرة أو مربّعاً وأن لا يمسخوا وجودهم في هذا الإطار الضيّق؟
أسئلة كثيرة لا مجال لحصرها، لو أسهبنا بها لما انتهينا، وربما الاستطالة فيها قد تخرجنا عن موضوع الساعة، وهو إنقاذ لبنان وإنقاذ الفلسطينيين عبر قرار لبناني واضح ونهائي وحازم.
