1997-2007عشر سنوات أمضاها توني بلير رئيسا لحكومة صاحبة الجلالة في بريطانيا. عشر سنوات تحت أضواء السلطة... ومسيرة من التقدم والانكفاء، النجاح والفشل، وغلطة كبيرة قاتلة اسمها حرب العراق.
ومهما قيل عن توني بلير وتبعيته «المخجلة» لإدارة جورج دبليو بوش، وبعيداً عن العواطف الشخصية «ذات الودّ القليل» حياله، لا شك أنه سوف يبقى إحدى الشخصيات البارزة في التاريخ البريطاني الحديث. وليس صدفة أيضا أن يكون «الطريق الثالث» الذي خطّ بلير معالمه عبر «المزاوجة» بين ما اعتبره جيدا ومفيدا في الرأسمالية وفي الاشتراكية، هو ما يأخذ به الرئيس الفرنسي الجديد نيكولا ساركوزي في العديد من الميادين.
لقد ابتعد بلير بحزب العمال البريطاني عن شطآن اليسار وبلاغاته كي يحدد مساره على أساس معيار واحد هو النتائج المحققة. وكان يردد باستمرار مثلا صينيا شائعا يقول ما معناه إنه «ليس من المهم أن يكون الهر أسود أو أبيض اللون المهم أن يصطاد الفئران». ما يجمع عليه خبراء الاقتصاد وأساتذته هو أن بريطانيا قد عرفت ازدهارا كبيرا في عهد توني بلير الذي أخذ الكثير من وصفات «التاتشرية» المحافظة إنما أعطاها بعدا اجتماعيا ذا نكهة «يسارية».
لكن كان نجاح بلير أقل من طموحاته على صعيد مسيرة التوحيد الأوروبية. ربما أن طموحاته تلك كانت أكبر مما يسمح به الواقع. فعندما وصل إلى سدّة الحكم «ظافرا» بعد الانتخابات التشريعية لعام 1997، كان من بين تصريحاته «الحماسية» الأولى اعترافه أنه أوروبي الهوى والتوجه وإفصاحه عن عزمه الأكيد والمصمم على أن تأخذ بريطانيا، في عهده، موقعها «القيادي والريادي» في أوروبا الموحدة وأن تصبح «قلبها النابض». وها هو قد غادر مسرح القرار السياسي بعد عشر سنوات وبريطانيا ليست أكثر «التزاما» بمسيرة التوحيد الأوروبي وإنما أكثر «انهزاما» حيال أي التزام بها.
بالتأكيد لم يكن بلير «مرائيا» في أطروحاته الأوروبية، ولم يدفعه أحد من أجل اتخاذ مثل تلك المواقف المتحمسة. لكنه لم يعرف، ولم يستطع، مواجهة موجة «الحذر»، إن لم يكن «النفور» المتأصّلة التي تختمر في بلاده حيال العلاقة مع القارّة لدى «المشككين» بجدوى ربط مصير بلادهم بالمسيرة الأوروبية والذين لم يكن أقلهم «تشككا» غوردون براون، خليفته على رئاسة حزب العمال وعلى رئاسة الحكومة البريطانية اعتبارا من 27 يونيو 2007.
لعب بلير على جميع جبهات السياسة الخارجية ورقة «الحليف الأفضل» للولايات المتحدة الأميركية ولـ «صديقه» جورج دبليو بوش. هكذا اندفع دون تفكير، أو ربما بـ «تفكير أخرق»، وراء المغامرة الأميركية في الحرب ضد العراق. لعله اعتقد أنه قد يمكنه التأثير على توجيه الأحداث. هذا إذا لم يكن تصحيح مسارها. الواقع كان شيئا آخر وصوته «لم يصل أبدا» إلى الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي. باختصار تحمّل مسؤولية الحرب دون امتلاك أية سلطات حيالها. كان البيت الأبيض هو الذي يقرر وما عليه سوى التنفيذ.
الفشل الأكبر في مسيرة توني بلير السياسية تجسّد في قرار مشاركة الجنود البريطانيين بالحرب ضد العراق في ربيع عام 2003. كان ذلك القرار هو (كعب أخيل) الذي سمح بالنيل من مشروعيته كقائد سياسي، وهو الذي كان قد بنى مسيرته في الحكم منذ بداياتها الأولى حول (صورته). الصورة اهتزت بسبب حرب العراق في أذهان مواطنيه البريطانيين إلى درجة أن أنصاره أنفسهم «توسلوا له» ان يهتم بشيء آخر غير السياسة الانجليزية.
وعلى مبدأ «داوني بالتي كانت هي الداء» خرج بلير من «داونينغ ستريت» كي يهتم بملف الشرق الأوسط الصعب كموفد باسم الرباعية المؤلّفة من الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. إنه يريد بكل وضوح مواجهة حكم التاريخ عليه تحديدا في الموضع الذي كان أصاب منه مقتلا.
لا شك أن توني بلير رجل دبلوماسية بارع، ومساهماته معروفة وتشهد عليها نتائجها «الإيجابية» في التدخل الدولي «الإنساني» في البوسنة وكوسوفو وسيراليون. وكان قد نجح في إحلال السلام بأيرلندا حيث فشل الكثيرون قبله.
هكذا يمضي توني بلير نحو الشرق الأوسط مسلّحا بنجاحات عديدة وبتجربته وبمعرفته لرؤساء بلدان المنطقة وقادتها وقبل هذا كله معرفته بـ «الملف الفلسطيني» الذي يشكل حجر الأساس في مهمته. وتوني بلير هو أيضا صديق قريب من إسرائيل، وهذا ما يصرّح به جهارا وما يشكّل، كما يعتقد، أحد أوراقه الرابحة.
هذا كله صحيح، وتعيين بلير موفدا للرباعية الى الشرق الأوسط لقي ترحيبا رسميا كبيرا، على صعيد دول متفرقة كما على صعيد الجامعة العربية. لكن هذا كله لا يعني أيضا أنه سوف ينجح في مهمته.
ويبرز مباشرة السؤال:هل بلير هو الأفضل من بين شخصيات العالم وخبرائه المؤهلين للمساهمة في إحلال السلام بالشرق الأوسط أم انه قد يزيد الوضع تأزما؟
بالفعل كان بلير قد تحدث كثيرا خلال الأشهر الأخيرة من حكمه عن ضرورة إيجاد حل للصراع العربي ـ الإسرائيلي ـ ولمشاكل الشرق الأوسط ككل واحد ولكن لم يكن مصدر «انشغاله» هو خطورة الوضع القائم على الأرض وإنما «الأهمية الاستراتيجية الكبرى» التي تطرحها المشكلة بالنسبة لأوروبا و«التهديدات التي يمثّلها التطرف بالنسبة لأمنها».
العقبة الكبرى أمامه هي أن الشارع العربي يكرهه. يكرهه بسبب تحيزه لإسرائيل. ويكرهه بسبب تدخله. بل و«إيغاله» في التدخل، إلى جانب أميركا في العراق. ويكرهه بسبب صداقته «المتواطئة» مع جورج دبليو بوش «العدو المعلن» للسواد الأعظم من الجماهير العربية. ويكرهه لرفضه المطالبة بوقف إطلاق النار أثناء الحرب الإسرائيلية في جنوب لبنان خلال صيف 2006.
ولن يجد توني بلير في الشرق الأوسط ما وجده من تسهيلات في ايرلندا الشمالية حيث استطاع التوصل إلى إحلال السلام والاتفاق على اقتسام السلطة بين البروتستانت والكاثوليك. فأيرلندا الشمالية ليست فلسطين، والصراع على السلطة شيء آخر غير الاحتلال.
وسؤال كبير آخر: كيف سيكون بمقدور بلير الذي بدا طويلا في ثياب «الخصم» أن يلعب دور «الحكم»؟!
ان مهمة «الوسيط» شيء آخر غير «الناطق باسم...». ونجاح بلير مشروط بعدّة أمور. إنه مشروط باعترافه علنا بخطئه في الحرب على العراق ، وهذا ما لم يفعله بل لم يعترف بما سببته من آلام وكوارث، ومشروط ايضا بممارسة واشنطن ضغطا حقيقيا على إسرائيل وفتح حوار جدي مع الفلسطينيين.
وهذا ما لم يتم عندما كان بلير في السلطة فهل يستطيع ان يدفع له وهو خارجها؟! ومشروط ايضا بتغيير السياسات الغربية، وعلى رأسها الأميركية، حيال دول لها وزنها في معادلات الشرق الأوسط وفي مقدمتها سوريا وإيران، ثم وقبل كل شيء مشروط بإمكانية معالجة الأسباب العميقة للوضع المتفجر القائم وليس مجرّد تعبيراته الآنية.
إن «خطيئة» حرب العراق دفعت بلير إلى خارج الحكم، ورهانه على مهمة «شبه مستحيلة» في الشرق الأوسط قد تدفعه إلى خارج التاريخ كله.بكل الحالات لا يمكننا سوى التصفيق له إذا نجح وسنعتبره «رجل التحديات» بجدارة. أما فشله فـ «معلّق برقبته» وحده. ومن يزرع الريح يحصد العاصفة.
كاتب سوري
