في 30 (مايو) 2007 صدر القرار 1757 عن مجلس الأمن الدولي والخاص بتشكيل «المحكمة الدولية» في موضوع اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. ومن جديد احتدم الجدل وثار النقاش حول دلالات الفصل السابع واستحقاقاته في ظل الاستقطابات اللبنانية وامتداداتها الإقليمية والدولية.
فما هو المقصود بالفصل السابع؟ وما هي أهمية النص عليه من عدمه؟ وقد بدأ مصطلح أو تعبير «الفصل السابع» يتردد كثيراً في الحديث عن عقوبات غليظة يُراد اتخاذها من جانب المجتمع الدولي ضد دولة أو عضو من أعضاء الأمم المتحدة تتهم بارتكابات خطيرة وجسيمة لقواعد القانون الدولي.
المقصود بالفصل السابع هو الفصل الخاص بالعقوبات الواجبة الأداء في الحال وليس في الاستقبال من ميثاق الأمم المتحدة، الذي أقرّ في مؤتمر سان فرانسيسكو عام 1945 (المواد من 39 إلى 42)، وهذه العقوبات تفترض الالتزام بها وتنفيذها، وإلا سيكون من حق مجلس الأمن استخدام جميع الوسائل لتنفيذها بما فيها القوة العسكرية. أحياناً يستخدم الإعلام «البند السابع» أو «الفقرة السابعة» من الميثاق، ولكثرة التداول أصبح مفهوماً أن المقصود هو «الفصل السابع».
منذ العام 1990 وبخاصة بعد غزو القوات العراقية للكويت في 2 (أغسطس) كثُرَ استخدام الفصل السابع في القرارات الخاصة بالعراق، والتي زادت على 60 قراراً واستمرت حتى بعد استعادت الكويت سيادتها واستقلالها، ولمدة 13 عاماً، فارضة حصاراً دولياً هي دمغة «الفصل السابع»، الذي أصبح وكأنه ماركة مسجلة خاصة بالعرب، مروراً بالقرارات الخاصة بفرض الحصار على ليبيا والسودان وما له علاقة بموضوع دارفور وصولاً إلى لبنان.
القرارات الدولية التي صدرت ضد العراق 1990-2003، حملت جميعها ختم الفصل السابع، باستثناء قرار وحيد ويتيم هو القرار 688 الصادر في 5 (ابريل) 1991. المفارقة الانتقائية في المعايير تتضح حين تصرّ القوى المتنفذة في المجتمع الدولي وبخاصة الولايات المتحدة على تنفيذ العراق جميع القرارات الدولية باستثناء هذا القرار الذي ظلّ تائهاً ومنسياً!!
الأمر الثاني المثير للتساؤل هو أن القرار 688 تضمن تأمين كفالة احترام حقوق الإنسان والحقوق السياسية لجميع المواطنين ووقف القمع الذي يتعرض له السكان، في حين أن القرارات الدولية الأخرى كانت أقرب إلى تشريع القسوة في عملية محق جماعي وحرب إبادة غير محددة، وهو ما تضمنه القرار 678 الصادر قبل يومين من صدور القرار 688 أي بتاريخ 3 (ابريل) 1991 والمعروف بأبو القرارات، وعلى الصعيد القانوني والسياسي فإنه أخطر وأغرب وأطول قرار في تاريخ الأمم المتحدة بحق عضو من أعضائها، حيث احتوى على 34 مادة وتكوّن من 3900 كلمة.
إن مجلس الأمن الدولي بموجب الفصل السابع، هو الذي يقرر فيما إذا وقع تهديد أو خرق للسلم والأمن الدوليين أو ارتكاب لعمل عدواني، ويحق له وفقاً للصلاحيات المنصوص عليها في الميثاق، اتخاذ جميع التدابير اللازمة، سواء ما يتعلق بفرض عقوبات اقتصادية أو وقف الاتصالات أو قطع العلاقات الدبلوماسية، أو اتخاذ تدابير عسكرية مباشرة.
وبهذا المعنى فإن الفصل السابع يختلف عن الفصل السادس الذي يعطي الحق لمجلس الأمن النظر في النزاعات واتخاذ الإجراءات المناسبة بتوصيات خاصة وبالتعاون مع «الفرقاء المتنازعين»، في حين أن الفصل السابع يعطيه الحق باتخاذ جميع الإجراءات بما فيها القوة المسلحة!! من هنا تأتي الاختلافات في المواقف إزاء الإشارة إلى الفصل السابع وبخاصة درجة الاستقطابات والبعد والقرب من الجهات المتسيّدة في المجتمع الدولي.
وإذا كانت جميع قرارات مجلس الأمن واجبة التنفيذ، فإن حجية القرارات التي تصدر ضمن الفصل السابع تتطلب التنفيذ في الحال، وإلا سيكون من حق مجلس الأمن اتخاذ الإجراءات الرادعة بما فيها الوسائل الحربية لتأمين تنفيذ قراراته. ولا تكون قرارات مجلس الأمن نافذة وخصوصاً في القرارات المهمة أو في المسائل الموضوعية، إلا بتصويت 9 أعضاء من مجموع 15 عضواً يتألف منهم المجلس (10 أعضاء منتخبين و5 أعضاء دائمي العضوية) فيما إذا لم يستخدم الأعضاء «الدائمو العضوية» حق النقض «الفيتو» Vito، الذي يتمتعون به بموجب الميثاق. والأعضاء الخمسة هم: الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، روسيا والصين.
وفي الحالة اللبنانية فإن القرار 1757 القاضي بإنشاء المحكمة الدولية بموجب الفصل السابع: يعني إعطاء الحق في استخدام جميع الوسائل لفرض تطبيق القرار المذكور، بما فيها استخدام القوة المسلحة، في حين أن القرار 1701 الذي صدر عن مجلس الأمن الدولي، والذي أعقب العدوان الإسرائيلي على لبنان في صيف العام 2006، كان أقرب إلى الفصل السادس الخاص باتخاذ الإجراءات للنظر في النزاع وليس اتخاذ الإجراءات المناسبة لوقف العدوان وإعادة السلم والأمن الدوليين إلى نصابهما كما يقتضي الفصل السابع من الميثاق.
سبق للأمم المتحدة بعد انهيار نظام القطبية الثنائية والحرب الباردة، أن أنشأت محاكم دولية خاصة مثل: محكمة رواندا ومحكمة يوغسلافيا السابقة ومحكمة سيرالييون المختلطة، لكن تلك المحاكم نظرت في الجرائم المحددة باعتبارها: جرائم إبادة جماعية أو جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب، في حين أن تشكيل محكمة بخصوص اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري لا تحمل تلك المواصفات.
وان كانت جريمة خطيرة وانتهاكاً جسيماً، لكنها تبدو فريدة أو سابقة جديدة في القانون الدولي، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار الإشارات التي أرسلها القرار 1757 بشأن عمليات إرهابية تهدد السلم والأمن الدولية، وبالتالي تعطي مبرراً لمجلس الأمن للتدخل لاحقاً لاتخاذ التدابير اللازمة لحفظهما بما فيها:
إنشاء محكمة دولية. وقد أصبح ذلك ممكناً بعد صدور ثلاثة قرارات دولية عقب أحداث 11 (سبتمبر) الإرهابية في الولايات المتحدة 2001 وتعني بها القرارات 1368 (11 سبتمبر) و1373(28 سبتمبر) و1390 (16 يناير 2002)، التي أعطت الحق للدول المتنفذة في حرب استباقية ضد ما يسمى بالإرهاب أو ضد أي عمل وشيك الوقوع ويهدد السلم والأمن الدوليين! وفرضت على جميع البلدان «واجب» التعاون للقضاء على الإرهاب، منذرة باتخاذ عقوبات ضدها!
صوّت على قرار مجلس الأمن 1757 عشر دول وامتنعت 5 عن التصويت بما فيها روسيا والصين (العضوان الدائمان) لكنهما لم يمارسا حقهما في النقض «الفيتو»، فصدر القرار رغم امتناع الدولتين ودول ثلاث أخرى من أعضاء مجلس الأمن هي: قطر واندونيسيا وإفريقيا الجنوبية.
ومن حيث التطبيق سيتطلّب إنشاء المحكمة عدداً من الخطوات العملية الضرورية من أهمها: اختيار البلد المضيّف، والمرجّح أن تكون قبرص وهناك احتمال آخر هو هولندا (لاهاي)، ثم تأمين التمويل اللازم الذي يقدّر ب162 مليون دولار ( حالة قبرص) وقد يصل إلى 315 مليوناً إذا تم اختيار بلد آخر. كذلك مشكلة اختيار القضاة والمساعدين القضائيين وبعض المسائل اللوجستية، فضلاً عن اختيار المدعي العام. ويتوقع أن تستغرق المحكمة ما لا يقل عن سنة واحدة.
إن صدور القرار 1757 بموجب الفصل السابع سيعني أن الدور اللبناني سيقتصر على تعاون لبنان (كبلد) مع الأمم المتحدة من خلال تقديم تسهيلات قضائية وأمنية عبر مؤسساتها وأجهزتها وتبقى المساهمة المالية فهي بحاجة إلى قرار مجلس النواب، الأمر الذي يجعله متعذراً في الوقت الحاضر، في حين لو أنشئت المحكمة خارج الفصل السابع، أي باتفاق لبناني- دولي (مع الأمم المتحدة)، لكان الدور اللبناني في إنشائها وعملها مختلفاً عمّا هو عليه الآن.
هذه هي المعاني غير السياسية من حكاية «الفصل السابع» وتلكم هي قصة العرب مع الفصل السابع، فالقرارات التي تتعلق بهم وبحقوقهم يُطلب منهم الانصياع، أما القرارات التي تخص إسرائيل وحقوق الشعب العربي الفلسطيني، مثل القرارات 242 و318 و1701 بعد عدوان (يوليو) 2006، فكلّها رغم أهميتها وخطورتها على السلم والأمن الدوليين لا تتحدث من قريب أو بعيد عن الفصل السابع!!
كاتب ومفكر عراقي