لنخيط بغير المسلة الأميركية، فلقد باتت غير مدببة كفاية ويلزمها معجزة حتى تشحذ من جديد وتتمكن من مواصلة اختراقها لجغرافيا العالم العربي وفكره بأيد عربية.
الجميع يدرك تماما من يعتدي على من في فلسطين ومن يملك ترسانة مهولة من الأسلحة الفتاكة الاستراتيجية والتكتيكية هناك بما فيها الأسلحة النووية ونظيراتها المحرمة دوليا، والجميع يعلم من يشن الحروب على من ومن يفتك بمن... لكن على الرغم من سطوع هذه الحقائق وغيرها، تصر أنظمة عربية عديدة على التغاضي عنها والتمادي عليها وتدعو إلى إحكام الحصار على الضحية لا على الجلاد في بادرة لا يمكن فهمها إلا في إطار التساوق التام مع رؤية الولايات المتحدة وإسرائيل للمنطقة والمخططات التي توضع على أساسها.
حتى لو نظرنا إلى ذلك التصريح الذي أطلقه وزير خارجية أكبر بلد عربي مؤخرا والذي يطلب فيه إذن الدولة العبرية لنشر قوات مصرية إضافية على الحدود المصرية ـ الفلسطينية لمنع تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة ـ حتى لو نظرنا إليه من باب الأوليات، فإننا سنجد أن موضوع هذا الطلب يعتبر أولوية مطلقة، لكنها تخص إسرائيل دون غيرها ولا تمت بأي صلة بالأولويات الفلسطينية والعربية المتمثلة أولا برفع قبضة الآلة الحربية الإسرائيلية عن أعناق أبناء الشعب الفلسطيني.
السؤال الذي يطرحه الفلسطينيون هو: من الذي سيطالب إسرائيل ويمنعها من مواصلة صناعة الأسلحة واستيرادها ؟ لا سيما وأن الواقع يشير بوضوح شديد لا يخفى حتى على فاقدي نعمة البصر إلى أن هذه الأسلحة تستخدم ليل نهار في قتل الأبرياء من المدنيين وتهدد بلدان المنطقة بالعدوان إذا ما خرجت الأخيرة عن الخط العام المرسوم لها مسبقا من قبل دوائر صنع القرار في البيت الأبيض الداعم الأول والأكبر للدولة العبرية.
ألم يتضح لتلك الأنظمة وحتى لإسرائيل والولايات المتحدة وحلفائها في العالم أنه إذا أردنا حلا حقيقيا للصراع العربي ـ الإسرائيلي فإن أول ما يجب أن يتبادر للذهن هو إعادة وقف القضية الفلسطينية على قدميها عوضا عن رأسها كما هو حاصل منذ سنين طويلة والخروج فورا من دائرة التفكير بالحلول والمخططات الأمنية العقيمة، التي لا تفضي إلا إلى مزيد من إراقة الدماء الفلسطينية والفلسطينية فقط.
فالقضية الفلسطينية هي قضية سياسية بامتياز وليست أمنية أو عسكرية ولها متطلباتها المحددة للحل والمتمثلة بثلاثية الحد الأدنى المتوافق عليها عربيا ودوليا الخاصة بالحقوق الوطنية الفلسطينية المعروفة : حق تقرير المصير، حق إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم. وهذه هي أولوية الفلسطينيين الأولى التي يجب أن تعمل على تحقيقها جميع الأطراف المعنية في المنطقة والعالم لأنه بدون أن ترى النور ستذهب كافة الأطروحات الأخرى أدراج الرياح.
في هذا السياق الأمني الصرف تندرج تحركات عربية أخرى باتجاه الدولة العبرية، التي يبدو أنها أصبحت قبلة البعض، لا تصب بدورها لا في مصلحة القضية الفلسطينية ولا حتى في مصلحة الأمن الإسرائيلي العتيد، ونحن بدورنا نقترح عليهم، توفيرا للوقت والجهد والمال، أن يقوموا بكل تلك الزيارات والتحركات معا ضمن وفد واحد.
الغريب في الأمر أن لهذه الأطراف مواقف تختلف تماما عندما يتعلق الأمر بتجارب تسلحية أخرى في المنطقة والعالم، بدءا بالموقف من البرنامج، وليس السلاح، النووي الإيراني ومرورا بالموقف من الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة على سوريا وليس انتهاء بالحصار المفروض على لبنان وعراق المقاومة.
هذا الواقع السياسي لا يحتاج إلى أي تفسير أو تأويل ولا يسعنا إلا أن نأخذ كلام الوزير المصري كما ورد على لسانه تماما حتى نتيقن من حقيقة ما ذهبنا إليه آنفا ونقول إن هذه الدعوة لا تصب إلا في خانة إحكام الحصار على غزة المقاومة للعدوان الإسرائيلي المتواصل، كما أنها تعتبر الحلقة الأخيرة ربما في مسلسل تأمين حدود الدولة العبرية.