يخوض الناس في المجتمع معركة الغلاء وزيادة أسعار المواد الغذائية وحيدين بلا دعم ولا مساندة، فلا وزارة الاقتصاد تحرك ساكناً، ولا جمعية حماية المستهلك تملك حولاً أو قوة لتغيير أو إيقاف هذا الجنون في الأسعار، وإذا كانت هيئة الطرق قد بدأت تطبيق نظام سالك بشكل مرحلي ومتدرج ليتسنى لها رصد ردود الفعل وتأثيرات النظام على ضبط الزحام والتخفيف منه، فإن الغلاء يهجم على الناس بلا مقدمات وهو يسير بقوة دفع قوية لا تجد ما يحد منها أو يوقفها في المقابل، وعليه فإنها تستشري وتتمادى وتكتسب منطقها الذي يفرض نفسه في نهاية الأمر!
لو كان الغلاء رجلاً لقتلته، هذا هو إحساس الكثيرين من الناس في المجتمع الذين يجدون أنفسهم محاصرين تماماً بهذا العناء اليومي، ولا علاج ولا مضادات، ولا أمل في القضاء عليه، لا شيء خارج الغلاء: الإيجارات، السلع الغذائية، الأدوية، السلع الاستهلاكية، أسعار العلاج والطبابة، أقساط المدارس، أسعار الخبز، البنزين، تكاليف الخياطة، التنظيف، كوب الشاي، فنجان القهوة، خدمة الهاتف، الإنترنت، ماء الشرب، فواتير الماء والكهرباء، اسطوانات الغاز، رواتب الخدم، رسوم المعاملات الحكومية، عروض السفر والسياحة وأخيراً سالك وما سيتبعه من رسوم أخرى!
يعلم الناس أن بقاء الحال على ما هو عليه أمر محال، وأن البقاء والدوام لله وحده، لكن الانتحار البطيء بالغلاء أمر لا بد من بحثه تحت قبة المجلس الوطني، فكما أن البيئة مهمة جداً، وكما أن الجمعيات ذات النفع العام مهمة، وتعديلات الدستور حيوية والتعليم خطير والصحة أخطر وكلها تطرح للنقاش والتداول حولها ما بين الأعضاء والسادة الوزراء وصولاً لنتائج تقود للتغيير والتصحيح والإصلاح خدمة للجميع.
فإن التصدي للغلاء من وجهة رجل الشارع العادي البسيط الذي لا يملك سوى مرتبه في مواجهته، ان التصدي لهذا الغلاء بالنسبة لهذا الرجل أهم ألف مرة من الجمعيات ذات النفع العام ومن كادر الأطباء ومن الهيئة العامة للبيئة والمجلس الوطني للسياحة، فكل في نهاية اليوم يغني على ليلاه كما هي عادة كل البشر في كل الدنيا!!
يبدو أن نظام سالك قد حظي برضا الكثيرين ممن يعنيهم قطع الطريق إلى أعمالهم عبر جسر القرهود وشارع الشيخ زايد بيسر وسهولة بعيداً عن الزحام والساعات الطويلة، وهم لا يرون المبلغ الذي يدفعونه كثيراً أبداً مقابل الراحة التي صاروا يشعرون بها والتي كانت شيئاً من الحلم منذ عدة أيام، لكن هذا الرضا وهؤلاء الراضون ليسوا سوى جزء من الصورة، فهناك صورة أخرى لطرقات أخرى مزدحمة أكثر مما كانت ولساعات تضيع على الطرقات، ولشوارع تئن تحت وطأة استخدام مضاعف عشرات المرات عما كان سابقاً.
إن الغلاء، مثل «سالك» له أكثر من وجه، فليس كل الناس قادرين على التكيف مع الزيادات المستمرة والعبور عليها عبور الكرام، للغلاء وجه آخر، بشع وانتهازي ووحشي جداً، وما لم يتم التصدي له فإننا سنجد أنفسنا أمام أزمة كارثية تشبه أزمة الزحام التي نعانيها ولأجلها كان اختراع سالك، فبماذا سنحل الغلاء حينما يتفاقم يا ترى؟ وأي سالك سيحد من تفاقمه؟
