هذا الحكم هو رصاصة في قلب الديمقراطية.. كان هذا هو تعليق رئيس الحكومة التركية الدكتور رجب طيب أردوجان في أعقاب استجابة المحكمة الدستورية للدعوى الشكلية لأحزاب المعارضة العلمانية واليسارية بتأييد من رئيس الدولة التركي نجدت سيزار والحكم بإلغاء نتائج الاقتراع البرلماني لصالح مرشح حزب العدالة والتنمية الدكتور عبد الله جول لرئاسة الدولة لعدم اكتمال نصاب الجلسة.
ولو كان حزب العدالة والتنمية ذو الغالبية البرلمانية الكبيرة وذو الشعبية الساحقة والذي يهيمن بانتخابات ديمقراطية على السلطتين التشريعية والتنفيذية حاليا يريد مجرد وصول جول إلى قلعة العلمانية الأتاتوركية في قصر الرئاسة الحالي برغم الحكم بإلغاء نصاب الجلسة الأولى والثانية للاقتراع لأمكن له ذلك بسهولة، حيث إن النظام البرلماني توافقا مع الدستور الحالي يتيح عقد الجلسة الثالثة والأخيرة للاقتراع الرئاسي دون النصاب القانوني، لكن رد جول بالانسحاب من الترشح للرئاسة كان تسديدا لـ جول لصالح الديمقراطية في مرمى الممارسات اللاديمقراطية.
كان هدف حزب العدالة والتنمية بذلك الانسحاب ودعوته إلى انتخابات تشريعية مبكرة في 22 يوليو الجاري، ومشروعه لتعديل الدستور لاختيار الرئيس بالانتخاب الحر المباشر من الشعب مباشرة يعني حرصه على عدم الفوز بالرئاسة بمقترعين أقل من نواب البرلمان دستوريا بل بقاعدة انتخابية ديمقراطية أكبر من البرلمان لا نواب فيها عن الشعب الذي هو مصدر السلطات، والذي هو بالمفهوم الديمقراطي هو الذي يحكم نفسه بنفسه بلا نيابة عنه لصالح نفسه ووفقا لإرادته الحرة في التعبير عن نفسه بغير ترهيب أمني من العسكر الجنرالات، وبدون إرهاب فكري من شعارات المظاهرات.
كما استهدف بذلك أيضا تجنب حالة من الانقسام الوطني في الشارع التركي في ظل اتجاه الأمور بفعل الدعايات الموجهة لإثارة حالة من الهلع غير المبرر من مجرد شبح للإسلام لا من الإسلام ذاته التي انتابت القوى الأتاتوركية العلمانية واليسارية فأعطى بذلك درسا بليغا في الوطنية بتغليب المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية ، ودرسا بليغا في الديمقراطية حين أتبع هذا الانسحاب بمشروع تعديل للدستور الأتاتوركي بالعودة إلى الشعب مصدر كل السلطات لانتخاب الرئيس.
لقد رأى طيب أردوجان رئيس حزب العدالة والتنمية أن هذه الخطوة أصبحت حتمية خصوصا بعدما وضعت المحكمة بحكمها الشكلي حائطا مسدودا أمام إمكانية انتخاب الرئيس الجديد في البرلمان في ظل استمرار عرقلة الاقتراع البرلماني رغم حصول عبدالله جول على الغالبية الكبيرة والتي بلغت 354 من مجموع النواب الحاضرين وعددهم 357 نائبا من إجمالي نواب البرلمان وعدده 550 نائبا ، بينما كان النصاب يكتمل بحضور 367 نائبا أي بفارق عشرة أصوات فقط بمقاطعة نواب الأقلية العلمانية واليسارية المعارضة لمنع اكتمال النصاب حسبما ينص الدستور الأتاتوركي المفصل لحماية العلمانية.
وبعد المظاهرات والتهديدات والتحالفات سواء من الرئيس الذي كان من المفروض أن يغادر مقعد أتاتورك في مايو الماضي لولا عرقلة الاقتراع البرلماني، أو من عسكر الجيش المكلف بحراسة المبادئ العلمانية أو من القوى السياسية المعارضة والمصابة بالإسلاموفوبيا ضد حق حزب العدالة والتنمية المتهم بشرف التوجه الإسلامي في الترشيح لرئاسة الجمهورية في انتخابات ديمقراطية تنافسية شعبية مباشرة حرة ونزيهة مع مرشحي الأحزاب الأخرى.
وبعد المساجلات القانونية والدستورية المضنية في معركة طويلة بين الديمقراطية بممارسة إسلامية والدكتاتورية بممارسة علمانية، وبعد موافقة البرلمان التركي على مشروع التعديلات الدستورية المقدم من حزب العدالة والتنمية بالعودة إلى الشعب، رفض الرئيس التصديق على قرار البرلمان، وطعن الرئيس سيزر وطعنت المعارضة أمام المحكمة بعدم الدستورية، ولوح الجيش بالتهديد..
ولكن رغم ذلك كله وبتأييد شعبي جارف وبموافقة 6 أعضاء ومعارضة 5 من قضاة المحكمة الدستورية التركية العليا صدر قرار المحكمة برفض الطعن المقدم من الرئيس سيزر وحزب الشعب الجمهوري الأتاتوركي المعارض لإلغاء الإصلاحات الدستورية التي أجرتها حكومة حزب العدالة والتنمية لإجراء الانتخابات الرئاسية بالاقتراع الشعبي العام الحر المباشر بلا نيابة ولا وصاية على الشعب التركي .. لينتصر الشعب على الرئيس والحرية على اللا ديمقراطية تحت كل الأسماء..
وليبقى هذا الحكم التاريخي رصاصة في قلب الدكتاتورية.