القمة الأميركية الروسية مطلع هذا الشهر على الشاطئ الأطلسي الأميركي، قمة اللقاء غير الرسمي التي انعقدت في جو اتسم بالطابع العائلي والشخصي وخاصة بحضور الرئيس بوش الأب في الجلسات الاجتماعية والرياضية حول القمة، لم تستطع ان تخفي الحالة التي وصلت إليها العلاقات بين القوتين:
القوة الفائقة المتراجعة والقوة الكبرى التي تبحث عن انتزاع الاعتراف بمكانتها العائدة. يقول فاشيسلاف نيكونوف رئيس مؤسسة بولتيكا الروسية بأن العلاقات الأميركية الروسية صارت حاليا في أسوأ لحظة أو أدنى مستوى بينهما منذ عشرين عاما. لقد ولى زمن شهر العسل الذي اتسمت به مثلا وأطلقته القمة الأولى بين بوش وبوتين منذ ست أعوام غداة 11 سبتمبر 2001 حين وقفت موسكو متضامنة كليا مع واشنطن وحين كانت واشنطن الجريحة في اشد لحظات قوتها الدولية.
لا تكفي حرارة القمة الأخيرة لتزيل أجواء البرودة المتوترة التي أخذت تطبع العلاقات بين الطرفين والتي تبشر بعودة أجواء الحرب الباردة بينهما. لقد ولت مرحلة التسعينات مرحلة يلتسين التي كما يقول هنري كيسنجر اعتبرتها واشنطن فترة الإصلاح في حين اعتبرها الروس مرحلة الذل والمهانة. والبوتينية اليوم تمثل رد فعل وانتقام او ثورة على اليلتسينية وتعتبرها انها كانت تمثل أقصى تجليات التبعية واللحاق بواشنطن.
بوتين يعتبر الأحادية الأميركية عقيدة مواجهة وتطرف ولكن رغم تصريحات من هذا النوع ورغم استمرار الدروس الديمقراطية من طرف واشنطن الا ان كلا من بوش وبوتين كما ظهر في القمة لا يريد وقد بقيت سنة تقريبا على استمراره في السلطة، لا يريد ان يكون الإرث الذي سيتركه لخلفه ارث عودة الحرب الباردة.
لذلك يمكن القول ان القمة التي لم تشكل اختراقا في أي من ملفات او مسائل التوتر بين القوتين قد خلقت انفراجا بينهما من خلال تأكيد التواصل وحوار القمة. فالقمة لا يمكن ان تعالج صراع استراتيجيات اذا لم يكن هنالك تحول في كل من هذه الاستراتيجيات نحو قبول معين للآخر ينعكس عادة في بلورة قواعد للتفاعل والتفاهم والتوافق كما لإدارة الخلاف واحتوائه.
روسيا تعبر عن قلقها بشكل متزايد مما تعتبره تمدد واشنطن إلى آسيا الوسطى وشرق أوروبا مناطق نفوذها التقليدي الروسي قبل السوفييتي، وواشنطن تتهم موسكو بإتباعها سياسة عرض العضلات لتخويف جيرانها الصغار والضعفاء. ويبدو اننا نشهد عودة «اللعبة الكبرى» بواسطة الاستراتيجية الاقتصادية التي عنوانها صراع النفط والغاز في آسيا الوسطى وفي القوقاز، الذي هو أيضا صراع بالواسطة وبأشكال عديدة ومختلفة.
من أدل الأمثلة على عدم التوصل إلى تسوية لملفات مشتعلة مسألة كوسوفو حيث رفضت موسكو أربعة مشاريع قرارات في مجلس الأمن طالما ان هذه المشاريع تدفع باتجاه قيام دولة مستقلة وهو ما تعتبره موسكو بمثابة خط احمر وتوحي مهددة بأنها يمكن أيضاً ان تعمل من جهتها على إيقاظ الانفصاليات النائمة مثلما هو الحال في جورجيا وبالتالي مهددة هذه الأخيرة في وحدتها الترابية انها عودة إلى اللعبة التقليدية لعبة الحرب الباردة حينما تخضع قضايا حق تقرير المصير في فرصها وقيودها «لحوار الجبابرة».
عدة مؤشرات تدل على عودة موسكو بقوة إلى الساحة الدولية أولا إعادة تسليح القوة النووية الاستراتيجية الروسية وهي رسالة لا تخطئ في هذا المجال وثانيا الاستفادة وتوظيف القدرات الاقتصادية الهائلة، قدرات اقتصاد الطاقة التي تتمتع بها موسكو لبناء دولة الرأسمالية السلطوية القوية وذات الشرعية الشعبية الواسعة وثالثا التركيز على تعبئة واستنهاض القومية الروسية المتأججة والجريحة والتي تبحث عن عودة الدور التاريخي .
والذي هو جزء من التراث الوطني الروسي لموسكو. ويعبر بوتين خير تعبير عن هذا الوضع حينما يقول ان سقوط الاتحاد السوفييتي كان أكبر كارثة سياسية في القرن العشرين مذكرا بأن الأمن العالمي لا يمكن تحقيقه وحفظه الا عبر «القدرات الاستراتيجية للقوتين العظميين». انها لغة موسكو السوفييتية التي تستعيدها موسكو الروسية وتريد معها استعادة المكانة والوهج والدور دون الايديولوجيا البائدة.
نحن امام لحظة تعيش فيها واشنطن حالة من الارتباك والتعب والتردد بعد الغرق في المستنقع العراقي وتشعر ان لحظة الأحادية قد شارفت على نهايتها ان لم تنته بعد في حين تشعر موسكو انها في لحظة إعادة تجميع الكثير من الأوراق التي ضاعت منها يوم سقط الاتحاد السوفييتي وان الجغرافيا الاستراتيجية والاقتصادية تبقى قوة كامنة وتوفر دائما القدرات اذا ما أحسن إعادة استنهاضها واستثمارها وإدارتها في اعادة المكانة الضائعة والدور المفقود ولو تحت عناوين مختلفة.
نحن أمام لحظة تراجع قوة وصعود قوة أخرى دون ان يعني ذلك بالطبع ان التوازن الجديد متى قام سيقوم على التساوي بين القوتين. ستبقى واشنطن القوة الأكبر ضمن أي توازن جديد سيستقر ولكنها لن تكون القوة المسيطرة والقادرة وحدها على فرض أولويات الأجندة الدولية بل قد تكون لها قدرات أكبر في منطقة أو في مسألة أو ملف معين دون القدرة على احتكار إدارة سياسات هذه المسألة أو ذلك الملف.
النظام العالمي الذي يتشكل مع هذا الاختلال الحاصل بين التراجع والصعود عند القوتين العظميين ومع بروز بطيء لقوى كبرى دولية وأخرى كبرى إقليمية سيجعل التوتر المقيد وبعض الصدام السياسي المحدود والتعاون المتقطع والتفاهم الصعب والتوافق غير السهل، سيجعل كل هذه العناصر سمة العلاقات بين واشنطن وموسكو حتى يرسو توازن جديد ويستقر على قواعد ثابتة تتبلور مع الوقت لتشكل طبيعة النظام العالمي الذي سيبرز:
«نظام ما بعد بعد الحرب الباردة» كما يصفه بعض المراقبين. وقد يكون نظام نيو حرب باردة بأشكال وقواعد وهياكل وسمات جديدة. ولنتذكر ما قاله بوتين من كلام مثير في فبراير الماضي من أن «الحرب الباردة تركت وراءها ذخائر لم تنفجر بعد»، وربما أن انفجار بعض هذه الذخائر وذخائر أخرى جديدة قد يعلن عن هذا النظام الجديد المحتمل.
كاتب لبناني