لست مع الذين ينظرون باستخفاف لتعيين رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير في موقعه الجديد مبعوثاً للجنة الرباعية في الشرق الأوسط. ولا أعتقد انه من الصواب اعتبار الأمر فقط بمثابة «مكافأة نهاية الخدمة» من الرئيس الأميركي بوش لحليفه وتابعه الذي يؤكد أنه أعز لديه من كلبه الأثير!!

لا يمكن أن يكون الأمر كذلك فقط ، فتوني بلير ـ أيا كانت زاوية الحكم عليه ـ رجل يتمتع بالذكاء، ويعرف أن الفشل في مهمته الجديدة سيكلفه ما تبقى من سمعته التي تضررت كثيراً بسبب موقفه من حرب العراق ومشاركته في الجريمة التي تمت بحق الشعب العراقي، والتي أحالته من رجل كان يمكن أن يدخل تاريخ بريطانيا كواحد من أفضل رؤساء وزرائها إلى مجرم حرب يستحق المحاكمة وتابع يسخر ذكاءه ومواهبه لخدمة الرئيس الأميركي وعصابته.

المهمة الجديدة لتوني بلير تبتعد ـ كما قيل ـ عن الجوانب السياسية لتركز على المساعدة في بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية الموعودة (!!)علماً بأن هذه الدولة لم تخرج حتى الآن عن حيز «الرؤية» الهلامية التي قدمها الرئيس الأميركي، والتي لا تتحدث عن حدود أو قدس أو لاجئين، وتترك لإسرائيل فرض الأمر الواقع الذي تراه، فتبني الجدار وتكثف المستعمرات وتغلق ملف القدس بالتهويد، وتترك فلسطينيي الضفة في كانتونات منعزلة، وفلسطينيي القطاع في سجن كبير.

يأتي بلير ليقال إن مهمته استكمال مؤسسات الدولة الفلسطينية الموعودة والتي أصبحت الآن أبعد عن التحقق من أي وقت مضى بعد كارثة أحداث غزة. لتثور مع مجيئه الأسئلة :

كيف سيبني مؤسسات الدولة وغزة محاصرة والضفة يتم تقطيع أوصالها؟ وكيف ستبني هذه المؤسسات في ظل احتلال سبق له أن دمر مثل هذه المؤسسات عندما أقامتها السلطة الفلسطينية ومن الذي سيمنع إسرائيل من تكرار تدميرها للمطار والميناء واعتمادها سياسة الإبقاء على الضفة والقطاع مرتبطين بالاقتصاد الإسرائيلي كل الارتباط؟ والأهم من ذلك كله: هل كانت إسرائيل سترحب به أو بغيره مهما كانت درجة انحيازه لها، لو كانت مهمته هي تسهيل بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية «الموعودة»؟!

بلير يعرف بلا شك إجابات الكثير من هذه الأسئلة وغيرها، ومن هنا كان الكثيرون يستبعدون أن يقبل مثل هذه المهمة في مثل الظروف التي تمر بها المنطقة، وأن يربط ما تبقى من سمعته بتطورات أوضاع يعرف مدى صعوبتها. لكن الرجل قبل المهمة رغم انه يعرف أن الأطراف العربية تتهمه مسبقاً بالانحياز لإسرائيل، ورغم أن الاتحاد الأوروبي وروسيا لم يرحبا باختياره الذي كان أميركياً خالصاً، ورغم أن اختياره توافق مع مأساة الأحداث في غزة بكل ما ألقته من تعقيدات على الموقف.. فعلى أي شيء يراهن بلير؟ وهل سيقنع ـ بكل ماضيه وديناميكيته ـ بدور مساعدة السلطة الفلسطينية على بناء مؤسسات يمكن أن يرتكز عليها بناء الدولة «الموعودة».. أم أن الأمر أبعد من ذلك واخطر؟

صحيح أن الرجل سبق وأعلن عن استعداده لوضع جهوده من اجل إنجاح تسوية محتملة للصراع في فلسطين باعتبارها المدخل لاستقرار المنطقة كما «اكتشفت» الإدارة الأميركية مؤخراً. ولكنه تحدث أيضا عن استعداده لتكريس جهوده من أجل مساعدة إفريقيا على مواجهة ظروفها الإنسانية الصعبة ثم اكتفى من الدعوة بقرار من الدول الصناعية الكبرى ببعض المساعدات لهذا الغرض.

والمؤكد انه حين يتحدث عن دور في تسوية الصراع العربي الإسرائيلي لم يكن يتحدث عن دور من يوفر المساعدات المالية للمؤسسات الفلسطينية، بل كان يتحدث عن دور يعيد له ما فقده في حرب العراق بالعودة للمنطقة كصانع للسلام أو كشريك في هذا «المشروع» مع الرئيس الأميركي بوش الذي يتصور هو الآخر انه لو نجح فيه لضمن مكاناً في التاريخ اكبر من مكانه الحالي كواحد من أسوأ من حكموا أميركا منذ تأسيسها!

ومن هنا فإن بلير لن يقبل المهمة إلا إذا ضمن وقوف الرئيس بوش وراءه بكل قوته، وإلا إذا كان الاثنان ينطلقان من نقطة يريان فيها أن أبواباً كانت مغلقة قد انفتحت بدرجة تسمح بتحقيق شيء. وبوضوح أكثر يصبح السؤال هو: هل أدت المباحثات السرية التي قادتها أميركا وشاركت فيها إسرائيل والسلطة الفلسطينية وأطراف عربية عديدة خلال الفترة الماضية إلى نتائج تتجاوز ما هو معلن حتى الآن؟

وهل كان إعلان الإدارة الأميركية «اكتشافها» الجديد (!!) بضرورة تسوية القضية الفلسطينية كمدخل لحل باقي مشاكل المنطقة، وإنقاذ أميركا من مستنقع العراق يستند إلى ما تم التوصل إليه من تفاهمات؟ وهل كان إحياء المبادرة العربية بعد خمس سنوات من دفنها على يد شارون هو خطوة ضرورية لتمهيد الطريق أمام التطورات القادمة؟

الإجابة بالإيجاب هي التي يمكن أن تقدم مبرراً لوجود بلير على تماس مع القضية الفلسطينية بفرض امتلاكه ما يشير إلى إمكانية تحقيقه إنجازاً خلال عام ونصف العام في ولاية الرئيس الأميركي. لعل النجاح على هذه الجبهة يعطيهماً معا صك الغفران من جرائمها في العراق.

لكن ما يجري على الأرض، وتطور الأحداث في فلسطين وفي باقي المنطقة، وضعف حكومة أولمرت وسلطة أبو مازن تجعل التسوية (أو التصفية) مازالت بعيدة، خاصة أن أحداث غزة دفعت إلى الطاولة مرة أخرى فرضية إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل عام 67 مع التعديل، بحيث يتم ربط الضفة مع الأردن وإسرائيل في اتحاد كونفدرالي، بينما تبقى قنبلة غزة في ظهر مصر !

وهنا يثور احتمال آخر: فإذا كانت الظروف غير مواتية لتحقيق «إنجاز تاريخي»!! بتسوية القضية الفلسطينية وفقاً للرؤية الأميركية (والإسرائيلية طبعاً) فهل تكون فلسطين هي الغطاء لمهمة قد تكون اخطر للداهية بلير؟

إن كل ما يجري في المنطقة يشير إلى أننا نسير نحو صدام أوسع مما نراه حتى الآن. وقد تكون إشارة صحيفة «صنداي تايمز» إلى أننا مقبلون على حرب كونية تبدأ هذه المرة من الشرق الأوسط بخلاف الحربين العالميتين السابقتين اللتين بدأتا من شرق أوربا.. قد تكون هذه الإشارة تحمل بعض المبالغة ولكنها لا تأتي من فراغ. فالمنطقة تشهد من الصراعات ما لا يمكن أن يبقى مفتوحاً لفترة طويلة.

وحالة الفوضى التي بشرت بها أميركا مع احتلال العراق كمقدمة لإعادة رسم خريطة المنطقة لم تعد تهدد استقرار المنطقة (غير المستقرة أصلا) فقط، وإنما أصبحت تهدد العالم كله، فالفوضى التي عملت السياسة الأميركية على إشاعتها في المنطقة بهدف ضرب ما تبقى من تماسك عربي تمهيداً لإنهاء «فكرة» العروبة تماما والتعامل مع وحدات صغيرة تخضع للشروط الأميركية وتسلم مواردها ومستقبلها للاحتكارات العالمية ..

هذه الفوضى أنتجت ضمن ما أنتجت حتى الآن أمرين أساسيين : ازدياد العنف والتطرف الذي ارتدى ـ في معظم الأحيان ـ ثوبا دينيا، وازدياد أوزان القوى الإقليمية (غير العربية) على الأرض العربية. والمثير أن الأمرين كانا ضمن الاستراتيجية الأميركية للمنطقة منذ أكثر من نصف قرن حين أعلنت الحرب على القومية العربية وشجعت حلفاءها على إطلاق الإسلام السياسي في وجه العروبة، وأقامت الأحلاف التي أدخلت فيها القوي الإقليمية غير العربية ( تركيا ـ إيران ـ باكستان ) في محاولة لضرب أي توجه نحو الوحدة العربية التي اعتبرتها من البداية عدوها الأساسي في المنطقة.

الآن تعيش المنطقة لحظات فارقة.. فشلت السياسة الأميركية ولكن واشنطن لا تريد الاعتراف بذلك وتنتظر معجزة لا تأتي لإنقاذها في العراق. بينما إسرائيل تعرف أن هزيمتها في لبنان كلفتها الكثير وأفقدتها جزءاً كبيراً من دورها المرسوم لها في المنطقة، ومن هنا فهي لن تترك فرصة للثأر من الهزيمة واستعادة الدور. وإذا كانت أميركا لا تستطيع التورط في حرب جديدة ضد إيران الآن (لظروف داخلية أساسا) فإن إسرائيل يمكن أن توجه الضربة إذا وفرت واشنطن لها الحماية والإمكانيات.

وسواء كانت الضربة من أميركا أو إسرائيل، فإن الثمن الذي سيدفعه العرب في أي حرب قادمة سيكون باهظاً. ليس فقط من رد إيراني على القواعد الأميركية ولا من خطر توقف الإمدادات البترولية، وإنما أيضا لأن سوريا ولبنان وفلسطين ستكون كلها جزءاً من الحرب، وباقي دول المنطقة سوف تعاني من لهيبها.

وليس في الأمر أسرار أو لوغاريتمات، فكل القوى الفاعلة في المنطقة تتعامل مع خطر اندلاع حرب كبرى في المنطقة بكل جدية. وتتعدد السيناريوهات بهذا الشأن ما بين ضربة لإيران إلى حرب على سوريا إلى تصفية لقوى المقاومة إلى فرض التسوية (أو التصفية) لقضية فلسطين إلى إعادة تقسيم دول المنطقة.

فهل يكون وجود بلير في المنطقة واستثمار علاقاته وخبرته بشؤونها أمرا هاما (من وجهة نظر إدارة بوش ) للتعامل مع تطورات بهذا القدر من الخطورة على مصالح العالم الغربي في الفترة القليلة المقبلة؟ وهل يكون بلير كشريك وممثل رفيع المستوى لرئيس بوش (بغض النظر عن حكاية الرباعية) هو المؤهل لتنسيق المواقف بين أطراف أساسية بالمنطقة وخارجها سواء لإعداد الساحة لما هو قادم، أو لمحاصرة آثاره على المصالح الغربية أساسا، أو لاستغلال نتائجه في المضي قدماً في إعادة رسم خريطة المنطقة وفقاً لمصالح أميركا وحلفائها؟

أسئلة مشروعة.. فالرجل الذي يتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية عن تدمير العراق، والذي كذب على شعبه وعلى العالم من أجل تبرير الحرب على العراق خدمة لإسرائيل، وللعصابة اليمينية المسيطرة على القرار الأميركي، والذي مازال يعتبر قرار غزو العراق قراراً صحيحاً حتى بعد أن أدى إلى مصرع حوالي مليون عراقي وتشريد أربعة ملايين وإعادة بلد يملك كل مقومات التقدم إلى القرون الوسطي.. مثل هذا الرجل عندما يأتي إلى المنطقة مدعوما من رئيس أميركي مهووس بالقوة، وبتأييد إسرائيل وأنصارها، فإنه من الصعب (بل من المستحيل) أن نصدق انه قادم فقط من اجل فعل الخير والأعمال الإنسانية!!

قيب الصحافيين المصريين