لا يمكن لأحد ادعاء العلم الكامل بكل ما يحدث داخل مؤسساتنا وإداراتنا الحكومية المختلفة فيما يتعلق بتطبيقات الشفافية والحيادية وفيما يخص تكافؤ الفرص في مجالات الترقي وتحسين الكفاءة والمهنية، لكن يمكن ـ بشيء من المتابعة والرصد والمعايشة ـ ادعاء القدرة على فهم الأمور وقراءتها وفق تراكم جيد تأسس على التجربة أولاً.
وعلى المشاهدات والاتصال المباشر ثانياً، وعلى الحرص والاهتمام أولاً وأخيراً، وفق هذا التراكم، والاتصال، والحرص نقول بأن التجاوزات المختلفة الأشكال التي تقع في حق الموظفين الصغار وأحياناً الكبار أيضاً يمكن تصنيفها على أنها شكل من أشكال الفساد الإداري غير المتسق أو المتناسب مع تطور البلد والجهود الحكومية الرامية باستمرار لتحسين الأداء الإداري الحكومي والخاص معاً، وعليه يشكل استمرار هذه التجاوزات علامة استفهام كبيرة نحتاج لمن يجليها!
وانطلاقاً من إقرار وتكريس ثقافة حقوق الإنسان نرى بأن التصدي لأي تجاوز في هذا المجال لا يقتصر فقط على إقرار قانون حقوق الحيوان وحقوق العمال الأجانب، هناك أعداد كبيرة من الموظفين داخل المؤسسات تهدر حقوقهم بشكل أو بآخر، ويتم التجاوز عليهم، دون أن يتمكنوا من الشكوى أو رفع التجاوز لأكثر من سبب، وهنا فإنه من المهم إجلاء هذه الأسباب فربما وصلنا بذلك إلى بيئات إدارية نظيفة من التجاوزات والشعور بالظلم أو الإحباط الذي ربما يعاني منه عدد غير قليل من موظفي الإدارات والمؤسسات الحكومية ما يؤثر على إيجابية العطاء، والتفاعل الإنساني ودرجة الانتماء للعمل والمؤسسة معا، وبما يؤثر حتما على الكفاءة والإنتاجية تاليا!
إن الأسباب التي سنتحدث عنها تعود بالدرجة الأولى إلى المؤسسة نفسها وإلى الموظف بطبيعة الحال، ولعل أولها عدم وضوح القوانين الإدارية والإجرائية والمالية بالنسبة للموظف، فغالبية الموظفين ـ وخاصة المواطنين منهم يمارسون وظائفهم لسنوات طويلة دون أن يفكروا في الاطلاع على حزمة القوانين الخاصة بمؤسستهم والمتعلقة بوظيفتهم وحدود اختصاصاتهم على وجه الدقة، ما يجعل الوظيفة تتمدد وتنكمش صلاحياتها بحسب تعليمات الرئيس المباشر الذي لا يبذل أي جهد في نشر ثقافة قوانين المؤسسة بين موظفيه!
ثم تأتي بيئة العمل نفسها لتشكل واحداً من الأسباب المهمة في قضية التجاوزات حين يختلط الحابل بالنابل في المؤسسة، وحين تصبح الصراعات والولاءات للأشخاص والاصطفافات هي معيار التميز والترقي وليس الإخلاص للعمل والتفاني فيه، إنه في ظل الصراع والمؤامرات والمحسوبيات تصير بيئة العمل عرضة لكل أشكال التجاوزات حيث لا يحاسب فلان لأنه محسوب على فلان، ولا ينصف فلان لأنه ساقط من كل الحسابات، وان عدم وجود إدارة شكاوى مستقلة أو عدم وجود قضاء إداري يفاقم من كوارث التعديات ويكرس حالة السكوت على الأخطاء!
وفي بيئة العمل في الإمارات تحديداً ـ وربما في بعض دول الخليج ـ يشكل العنصر غير المواطن نسبة الأغلبية العددية في بيئة العمل، وتشكل ظاهرة الجنسيات المتباينة ملمحاً مميزاً ومؤثراً في أنماط العلاقات والصراعات، حيث تأسست ثقافة صراعات العمل بسبب هذا الطيف المتباين من الجنسيات بالتأكيد، من دون أن ننسى درجة الولاء والانتماء للمجتمع وللمؤسسة تالياً، ففي حين ينظر المواطن للمؤسسة أنها جزء من وطنه وعليه التفاني في خدمتها، ينظر الأجنبي إليها على أنها مكان عمل ضمن معسكر العمل الأكبر الذي جاء بهدف محدد (وهنا فالحكم ليس عاماً بطبيعة الحال)!
إن غياب الهيكلية الوظيفية أو التوصيف الوظيفي في بعض المؤسسات شكل على الدوام غطاء ومدخلاً للعديد من الأخطاء والتجاوزات وتداخل الصلاحيات والتفاوت المؤثر في الأجور والحوافز، ولا ننسى الإشارة إلى أن عدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب في العمل، ومن ثم التغاضي عن أخطائه وخطاياه لاعتبارات مختلفة يقود حتماً للتجاوزات والتعدي خاصة حين يمثل هذا الشخص غير المناسب قمة الهرم في الإدارة.
