انشغل المواطنون في المؤسسات والمجالس أخيراً بالحديث عن مكرمة حكومة محلية في الدولة، إذ منحت أبناءها مبالغ نقدية وأراضي تجارية وصناعية. المكرمة أصبحت حديث الجميع لأنها أسعدت مواطنين بحاجة لتحسين أوضاعهم الاقتصادية بعد ان عجزوا عن الاعتماد على رواتبهم، ولأنها أتاحت لهم الاستفادة من خيرات هذه البلاد والفرص الاستثمارية فيها.

والسؤال الذي نطرحه: لم لا يحظى أبناء الإمارات كلهم بمثل هذه المكارم دون ان تحصر على فئات دون أخرى؟ ولماذا لا يصبح المواطنون بما تقدمه الحكومة من فرص مادية واستثمارية المستفيدون من التنمية التي تشهدها الدولة ليصبح غالبيتهم المنافس الحقيقي للطرف الآخر الذي أصبح المواطن ينظر إليه على انه منافسه بدون وجه حق وسالبه حقوقه والمتمتع بخيرات بلاده؟ لا ينكر غالبيتنا أن هناك غبناً اجتماعياً يقع على المواطنين الذين يعانون من تكاليف المعيشة، والذين يشعرون بتمييز يمارس ضدهم من قبل مواطنين أغنياء حظوا بكل الفرص وتمركزوا في مناصب قيادية، ومن قبل وافدين استفادوا من الفرص الاقتصادية في الدولة.

الوظائف وفرص الاستثمار غالبيتها لفئات خاصة قليلة من المواطنين وللوافدين، وأكثر من ذلك، إن بعض الوافدين خاصة الأجانب تقدموا على المواطنين في نيل نصيب الأسد من الأعمال والثروة، وفي ملكية العقار والأرض، في حين يبحث المواطن عن قطعة أرض أو مسكن، أو عن وظيفة يعيش على بقايا راتبها، أو عن مصدر دخل آخر، فلا يعود غالبا من رحلة بحثه إلا بإحباط وعجز خاصة إن كان من الطبقة المتوسطة أو الفقيرة، فهؤلاء لا يعرفون عن التنمية الاقتصادية وفرص الاستثمار في «ارض الأحلام» التي تُسمى بها الإمارات إلا في أخبار الصحف التي تبقى بعيدة عن واقعهم.

فهل نعتبر ذلك ظاهرة صحية الكل يتحدث عن المخاطر التي تهدد الهوية المحلية لكننا لا نولي الوضع الاقتصادي لأهل البلد الأهمية نفسها في الحديث عن الهوية رغم ارتباطهما ببعض، فالأخطار التي تهدد الهوية ناتجة عن الانفتاح الاقتصادي الذي جلب كل الوافدين واوجد في الوقت نفسه اختلالاً اقتصادياً وقع أثره بالدرجة الأولى على غالبية مواطني الدولة.

هذا الانفتاح الاقتصادي اوجد ضغوطاً نفسية واجتماعية على المواطنين، وأفرز حالات اغتراب اجتماعي ونفسي، فالمواطنون يجدون أنفسهم فئة قليلة ذابت في المجتمع، فلا هوية بارزة ولا فرص اقتصادية منصفة ولا حقوق كاملة. وهي أمور انعكست بالتالي على علاقة المواطنين بالآخرين من الوافدين التي لا نستطيع التعميم والقول انها سيئة لكنها في طريقها نحو مزيد من الضيق والتبرم وارتفاع مستوى الحساسية تجاههم لان ما يعتقد المواطن انه حق له وانه الأولى به في بلاده يذهب لغيره لأسباب كثيرة.

لا نريد ان يشعر المواطنون بان بلادهم مثل «عين عذاري» تمد خيرها للبعيد قبل القريب فيستفيد الوافد والأجنبي من كل هذه النهضة اكثر منه، ولا نريد ان يشعر المواطنون بأنهم منسيون في وطنهم، او ان تتملكهم مشاعر سلبية تجاه الآخر لانها لن تكون دليل عافية، ولا نريد ان يكون الحديث عن الهوية المحلية واختلال ميزان الفرص الاقتصادية وما يحدثانه من آثار اجتماعية مجرد حديث على الورق، ان ما نطالب به وبإلحاح شديد دراسة الآثار الفعلية لموضوع الانفتاح الاقتصادي وتأثيراته على المواطن لنتعرف على جوانب القصور والمخاطر المحدقة بالمواطن فنضع الحلول لها فيمنح المواطنون حق الامتياز طالما أنهم الأقلية.

ان المخاطر التي نخشاها اليوم ذات طبيعة اقتصادية واجتماعية وثقافية ولا نظن ان أحدا يختلف معنا في انها قد تقود إلى أخطار اخرى نتخوف منها مستقبلا. وللحديث بقية

maysaghadeer@yahoo.com