لو أن زعيماً أو مفكراً فلسطينياً مهما كان احترامه وتقديره قد أعلن في عام 1968 مثلاً أن بإمكان منظمة التحرير الفلسطينية القبول بإقامة سلطة محدودة على أراضي قطاع غزة مثلاً لرجم بالحجارة بل الأرجح أن حياته كانت ستنتهي بطلقات من مسدس.
لكن في هذا مفارقة أيضا، فأحد الشعارات الرائجة في تلك الأيام كان «إقامة السلطة على أي ارض يتم تحريرها من العدو»، فما الفارق والمسافة بين ترديد الشعار ودعوة تطلق باعتبارها خيارا سياسيا يمكن تطبيقه على الأرض؟. ماذا لو أن نفس العبارة قيلت في العام 1978 مثلا؟ أو 1981 عندما كانت بيروت تمثل للفلسطينيين «خيمة فولاذية» تحميهم من تدخلات الأنظمة العربية مثلما قال الشاعر محمود درويش ذات يوم؟.
حتى التواريخ المذكورة أسقطتها ذاكرتي بشكل غير عفوي: ففي العام 1968 كانت معركة الكرامة التي قاتل فيها الفدائيون الفلسطينيون جنبا إلى جنب مع الجيش الأردني في معركة «الكرامة» التي فقد فيها الإسرائيليون مئات الجنود وأسر فيها قائد القوات الأردنية التي خاضت المعركة حابس المجالي ارييل شارون. وفي العام 1978 كان الاجتياح الإسرائيلي الأول للبنان لكنه كان اجتياحا محدودا لم يتجاوز خط نهر «الأولي» في جنوب لبنان.
أما العام 1981 فهو العام الذي شهد أول هدنة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية بعد حرب قصيرة أطلق عليها «حرب الكاتيوشا». لقد أمطر المقاتلون الفلسطينيون في ذلك العام من مواقعهم في جنوب لبنان مستعمرات شمال إسرائيل وخصوصا «كريات شمونة» و(نهاريا) بصواريخ الكاتيوشا مما حدا بإسرائيل إلى طلب هدنة رسمية عبر الأمم المتحدة ووسطاء دوليين.
لقد سادت حالة من الابتهاج عبرت عن نفسها في طرائف تداولها الفلسطينيون تقول إحداها ان الصواريخ الفلسطينية بدلا من أن تصيب مدينتين فلسطينيتين هما «صفد» و»ترشيحا» القريبتان من مستعمرات شمال إسرائيل تتجاوزهما متجهة إلى كريات شمونة و»نهاريا». إنها حالة الابتهاج نفسها التي سادت في أعقاب هدنة نيسان عام 1996 رغم ذروتها المأساوية «مجزرة قانا» وتهجير ألوف اللبنانيين من سكان الجنوب والتدمير الواسع للبنى التحتية الذي لحق بلبنان.
لكن هنا استدراكا مهما: حتى العام 1996، كانت المقاومة واجبة للاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان ولا يجوز السؤال عن الثمن. وهي نفس حالة الابتهاج التي أعقبت حرب الصيف الماضي بين حزب الله والجيش الإسرائيلي، ففي كل الأحوال كان تعرض المستعمرات الإسرائيلية للصواريخ الفلسطينية في الثمانينات وصواريخ حزب الله في التسعينات والعام السابع من الألفية الثالثة مدعاة للابتهاج لأنه يستجيب لمخزون الثأر الكامن في نفوس ملايين من العرب.
لكن هل بإمكان الثأر أن يقود شعبا في معركة تحرر وطني واستقلال؟ دعونا نتساءل حقا: ماذا كان سيكون مصير دعوات مبكرة في السنوات الثلاثين الماضية من عمر الثورة الفلسطينية لإقامة سلطة فلسطينية محدودة في قطاع غزة أو في جزء من الضفة الغربية؟.
مثل تلك الدعوات كانت ستقابل بما كان سائدا في تلك الأيام نفسها، ففي الستينات لم يكن مثل هذا الخيار مطروحا رغم واقعيته الشديدة، بل حتى خروج الفلسطينيين من لبنان عام 1982، لم يكن أي زعيم فلسطيني ليجاهر برأي مثل هذا لأن المناخ السائد وقتها لم يكن مؤاتيا لأفكار أو خيارات من هذا النوع. فقط في العام 1987 ومع اندلاع الانتفاضة الأولى كانت الرؤية الفلسطينية والبرنامج السياسي الفلسطيني قد تبلور بشكل واضح: دولة فلسطينية على أراضي 1967، القدس الشرقية عاصمة للدولة، عودة اللاجئين.
كان هذا أفق الانتفاضة السياسي. لكن المفارقة التاريخية الآن هي أن هذه السلطة المحدودة أقيمت بالفعل، ولن يبرهن أحد على الواقعية المبكرة لمثل هذا الخيار سوى ما قامت به حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في غزة. لقد قامت هذه السلطة المحدودة على قطاع غزة أول الأمر بموجب اتفاق «أوسلو» قبل 13 عاما وقوبلت بكل أنواع الهجاء. ولن يكون للثلاثة عشر عاما من عمر هذه السلطة المحدودة سوى أن تظهر هذا التأثير العميق للهجاء في منطقتنا هذه وبالأخص في فلسطين نفسها عندما نجد أنفسنا أمام وضع يعلن فيه فصيل فلسطيني تحرير غزة المحررة نفسها.
هكذا فان الهجاء بكل مقولاته المتناثرة ولا منطقيته ولا عقلانيته، ليس سوى تعبير عن غياب الرؤية التاريخية لصراع مثل هذا الذي يخوضه الفلسطينيون منذ أوائل القرن الماضي. والتاريخ لم يقدم لنا من درس سوى أن الصراع السياسي عندما يتم خوضه، لا يمكن أن يكتب له النجاح ما لم يكن يستند إلى رؤية وبرنامج يمثل إجماعا شعبيا ووطنيا، فما هو الحال في صراع من اجل التحرر الوطني والاستقلال وبناء الدولة؟ الرؤية والبرنامج ضرورة وليس ترفا سياسيا.
والتساؤلات في بداية هذه السطور ليس غرضها سوى إظهار الخلل التاريخي والجسيم الذي بات يعتري النضال الفلسطيني في سبيل التحرر وتحقيق الطموحات الفلسطينية. ابرز ملامح هذا الخلل هو افتقاد الرؤية البعيدة وافتقاد البرنامج. أما كلفة هذا الخلل فتتضح الآن بشدة مع ما يجري في فلسطين. يجادل كثيرون آخرهم ه.د. غرينواي مستعيدا كلام البروفيسور رشيد الخالدي أن «الأزمة الحالية في قطاع غزة بدأت بعد إجابة إسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا والآخرين على الانتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني في يناير عام 2006». (ه.د. غرينواي «سياسات الولايات المتحدة بعد واقعة غزة - المستقبل اللبنانية مترجما عن هيرالد تريبيون، 24 يونيو 2007).
أن هذا صحيح بلاشك، لكن إذا نظر إليه معزولا فهو لن يقدم إجابة شافية لانقلاب مسار النضال الفلسطيني لأنه لا يقدم تفسيرا للمعضلة الأهم: تقاطع برنامج السلطة الفلسطينية بكل القوى التي تمثلها وبرنامج (حماس) نفسه. وإذا كانت السلطة بكل المآخذ المطروحة عليها تملك برنامجا واضحا يقول بدولة فلسطينية على حدود 1967 والقدس الشرقية عاصمة لهذه الدولة وعودة اللاجئين، فإننا لن نظفر بإجابة أو حتى تلميح عن برنامج لحركة حماس.
إن الاكتفاء بترديد مقولات خلابة مثل «استمرار المقاومة» و(أن المقاومة هي البديل) لا تطرح برنامجا أو رؤية بل إنها تبدو مثل الهروب من استحقاقات أو أسئلة صعبة. على هذا فان هذا العامل رغم صحته جاء لتسريع انفجار وضع كانت إرهاصاته قد بدأت تتصاعد قبل الانتخابات التي جاءت بحماس. وضع ينطوي على خلل بنيوي من منظور تاريخي وهو أن هناك برنامجين أصبحا يتصارعان في الساحة الفلسطينية. لقد بدا هذا مبكرا، لأن ما جرى منذ فوز حركة حماس هو أن كل الأولويات الفلسطينية تراجعت لصالح أولوية طارئة هي «منع اندلاع حرب أهلية». (راجع مقالنا: لحظة ضعف فلسطينية غير مسبوقة- «البيان»، 24 يونيو 2006).
ها هي الحرب الأهلية التي تم التحذير منها قد وقعت، وما يسميه قادة السلطة الفلسطينية وحركة فتح اليوم انقلاب (حماس) في غزة هو الإجابة المؤكدة لغياب البرنامج والرؤية البعيدة لمستقبل النضال الفلسطيني، لأن النتيجة الأهم التي يقترحها علينا انقلاب حماس هو أن الدولة الفلسطينية «لم تعد على رأس الأولويات». (راجع مقالنا: الدولة أهم من فتح وحماس - «البيان»، 26 ديسمبر 2006). هل يقدم شعار «الإمارة الإسلامية» الذي ردده بعض قادة حماس المزهوين بتحرير غزة إجابة عن صدام البرامج والرؤى في فلسطين؟ وهل بإمكان هذا أن يقدم لنا ولو تلميحاً للثمن الباهظ لكل ما يجري في فلسطين منذ سنوات؟.
كاتب بحريني