الحرية بأبعادها المختلفة الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية هي المسألة الكبرى والحق الثابت للإنسانية التي ناضل الإنسان في كل عصر ومصر للحصول عليها وتأكيد سيادتها لكل وطن من الأوطان ولكل مواطن في كل وطن.

فالفرد الحر أساس المجتمع الحر، ولا حرية لمواطن من دون حرية وطن، وحق الحرية هو الجوهر الثابت لكل الرسالات السماوية الأصيلة بل ولكل النظريات البشرية المعاصرة، فلولا الحرية التي منحها الله للإنسان في الاختيار بين الإيمان والكفر، وبين سلوك طريق الخير أو سلوك طريق الشر بعدما بين للإنسان عبر الرسل الرشد من الغي لما ترتبت على الإنسان أية مسئولية، وجل التيارات الفكرية والنظريات السياسية تستند على الحرية وتتشدق بها، بل هي معنى ترجمتها اللاتينية والإغريقية ، فـ «الليبرالية» مثلا إنما تعنى الحرية، غير أن بعض الليبراليين الجدد يحرفون معناها بنهج مزيف لطبيعتها في التطبيق بكبت حرية الاعتقاد المخالف لها وبمحاولة إقصاء الدين عن الحياة، ومصادرة حق الآخر ونفى حرية الاختيار.

والديمقراطية وإن كانت في معناها تختلف عن معنى الحرية إلا أنها تستند إليها، فالحرية هي جوهر الديمقراطية والديمقراطية تعني سلطة الشعب الحر، والحرية تعنى حرية صياغة واختيار شكل ومرجعية هذه السلطة، وهى كآلية سياسية ترجمة لحق الشعوب في حرية اختيار النظام السياسي بأية مرجعية فكرية تؤيدها الغالبية الشعبية فكرياً. غير أن كل تلك المصطلحات البراقة لا تتعرض عند التطبيق للتحريف فقط بل للتزييف أيضا، وكثيرا ما رأينا ونرى معها مصطلحات أخرى مثل الشرعية والسيادة والاستقلال وحقوق الإنسان ودولة القانون وحرية التعبير ومحاربة الإرهاب والتحرير والتنوير والتعددية تتخذ قناعا لممارسات لا تكتفي بالتحريف أو بالتزييف فقط، بل للانقلاب عليها بعكس معانيها.

والغريب أن دعاة الحرية والليبرالية والعلمانية والديمقراطية وحقوق الإنسان في الغرب وأدعياءها في الشرق المصابين ب«الإسلاموفوبيا» سرعان ما ينقلبون على أي منها إذا تعلق الأمر بأي شيء ينتمي إلى الإسلام علما أو فكرا أو تيار. فحرية التطاول على الإسلام ورموزه وعلمائه ونظمه وقيمه مباحة سواء في الدول الغربية أو العربية باسم حرية التعبير، بل تحت هذه الإباحة تمنح ملكة بريطانيا وسام « الفارس» للمتطاول سلمان رشدي!

بينما يدعو أولئك الأدعياء لحظر التيارات الفكرية الإسلامية المناهضة للاحتلال والاستغلال وللفساد والاستبداد من التعبير عن نفسها بحرية باسم حماية الحرية، وكأن الحرية فقط «مقصورة» على غير المسلمين و«محظورة» فقط على المسلمين، كما يتم بوسائل غير ديمقراطية وغير مدنية إقصاء أي تنظيم سياسي ذي توجه إسلامي يعتمد الوسائل المدنية والديمقراطية ويحظى بالشعبية عن المشاركة في الحكم في أكثر من بلد غالبية شعبه من المسلمين باسم حماية الديمقراطية !!

ومازلنا نذكر ما حدث في الجزائر حينما حاول الرئيس الشاذلي بن جديد تطبيق الحرية والديمقراطية فأطلق حرية إصدار الصحف لكل الأفكار بلا قيود تجسيدا لحرية التعبير، وحرية تكوين الأحزاب لكل ألوان الطيف السياسية بلا إقصاء، وأجرى انتخابات عامة اتسمت بالنزاهة والحرية وبمراقبة مفتوحة ترجمة للديمقراطية، وما أن فازت جبهة الإنقاذ الإسلامية بنحو80% حتى انقلب أدعياء الديمقراطية والاشتراكية والعلمانية والليبرالية في الغرب على نتائج الانتخابات الديمقراطية.

كما نذكر أيضا ما حدث لحزب الفضيلة بقيادة «نجم الدين أربكان» في تركيا بتهم الإسلامية بعد فوزه في الانتخابات الديمقراطية، إذ قام الجنرالات العسكريون بتوجيه إنذار لحكومته بحجة حماية العلمانية والديمقراطية وتحرك الجيش حينما قرر الاحتفال بيوم القدس وانهارت الحكومة، ولعلنا نتابع ما يحدث حاليا مع حكومة حزب العدالة والتنمية بتلويح المؤسسة العسكرية بالقوة وتحريك المظاهرات ضد فكرة الاحتكام إلى الشعب مباشرة لانتخاب الرئيس في محاولة لإرهاب الشعب التركي المسلم من التصويت بحرية لصالح «عبد الله جول» أو لإسقاط حكومة «طيب أردوغان» المتهمة بالتوجه الإسلامي !!

ولعل آخر المشاهد المثيرة لعلامات الاستفهام والتعجب هو ما حدث في التجربة الديمقراطية الفلسطينية حين فازت حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في انتخابات شهد العالم على حريتها ونزاهتها بـ 60%، مما أربك أدعياء الديمقراطية ودعاة الشرعية الغربية والعربية، فإذا الحصار والتجويع والاتهام بالإرهاب كمحاولات للإفشال أو الإسقاط في موقف انقلابي واضح يكشف معاييرهم المزدوجة بل والمتعددة في التعامل مع شعاراتهم الديمقراطية اللا ديمقراطية والشرعية اللا شرعية، ووأد حرية الإرادة الشعبية باسم حماية الحرية !!.