لا يتنسم رياح الحرية ويقدرها إلا من كان في الأسر حبيساً وبين جنبات ظلام السجون وغياهب الدهاليز قابعا. ومع كل أحرار العالم نشارك الصحافي البريطاني آلان جونستون وعائلته فرحة الإفراج عنه وإطلاق سراحه بعد 114 يوماً قضاها محتجزا في غزة.

فليس أصعب على أي إنسان من تقييد حريته ومنعه بالقوة من الاتصال بالعالم ورؤية الشمس وأطفاله والاستمتاع بدفء كل من حواليه ومشاركتهم همومهم وآمالهم، كيف لا وقد خلق الله عباده أحراراً ولنا في قول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه الأسوة الحسنة بقوله «متى استعبدتم الناس وقد خلقهم الله أحرارا». وتزداد مرارة السجن وعذابه على الصحافيين خاصة وهم الذين كرس اغلبهم حياته للدفاع عن حرية شعوبهم وأوطانهم وكشفهم للحقائق وكانوا أكثر الناس دفعا لحياتهم وحرياتهم ثمنا لذلك.

وفي التاريخ الإنساني عامة والتاريخ العربي الإسلامي شواهد كثيرة على رفض العبودية والقتال من اجل حرية الإنسان والأوطان فليس أقسى من اختطاف أي فرد وتقييد حريته إلا اختطاف الأوطان واحتباس حرية الشعوب، فكل الفلاسفة والأديان والثوار والمناضلين انتفضوا لفك حرية شعوبهم وبلادهم من المستعمر وكان شعار الحرية قولا وعملا ونبراسا لهم جميعا وكان أول مكان يهاجمه الثوار هي السجون والحصون التي يقبع بين زنازينها المسجونين ظلما وعدوانا.

والأمثلة كثيرة على ذلك كتدمير سجن الباستيل في فرنسا أثناء ثورتها في نهاية القرن الثامن عشر وآخر الشواهد سجن ومعتقل الخيام في لبنان الذي تحول إلى متحف للحرية بعد تحرير جنوب لبنان من الاحتلال الصهيوني، والعالم ينظر اليوم بعيون الغضب والاشمئزاز لما يجري في معتقل غوانتانامو وسجن أبوغريب سيئ الصيت اللذين أقامتهما قوات الاحتلال الأميركي بعد غزو أفغانستان والعراق.

آلان جونستون يعرفه أبناء الشعب العربي في فلسطين وخاصة في قطاع غزة من أشد المدافعين عن قضيتهم العادلة شأنه شأن الكثير من صحافيي العالم والمدافعين عن حقوق الإنسان وحرياتهم في كل مكان. ومن يعش في فلسطين يدرك حجم ما يقوم به هؤلاء الصحافيون والناشطون من اجل السلام والذين يتلمسون ويشاهدون بأمهات عيونهم حجم المأساة والظلم والبطش الذي يمارسه جنود الاحتلال الصهيوني ضد الشعب والأرض الفلسطينية حيث يبادرون لكشف الحقيقة للعالم كله عبر مختلف وسائل الإعلام وهم أكثر إقناعا لأبناء شعوبهم منا نحن أصحاب القضية.

ولذلك فهم أكثر الناس عرضة لبطش ومضايقات جنود الاحتلال ومنهم من قضى تحت جنازير الدبابات والجرافات الصهيونية مثل الناشطة الأميركية راشيل كوري والتي قضت وهي تحاول منع إحدى الجرافات العسكرية «الإسرائيلية» من هدم أحد البيوت العربية عام 2003. إن تحرير وإطلاق سراح جونستون مدعاة للعمل على إطلاق سراح الأسرى المناضلين العرب والفلسطينيين في سجون الاحتلال الصهيوني وهم أكثر من عشرة آلاف معتقل ومنهم عدد كبير محجوزون دون محاكمة وفقا لنظام الاعتقال الإداري.

وهذا ما نأمله من ذوي الفكر المستنير في العالم قاطبة لتشكيل منظمة حقوقية عالمية وخاصة من الصحافيين والمدافعين عن حرية الرأي وحريات الأوطان والشعوب التي مازالت تعاني من الاحتلال والظلم لخوض نضال واسع وفعال بكل الطرق والسبل للوقوف أيضاً في وجه جدار الفصل العنصري في فلسطين والمستوطنات المقامة على ارض فلسطين وضد صهينة القدس وبقية المدن العربية. فالإعلام سلاح فعال لا يقل عن سلاح المقاومة لتحرير الأرض العربية المحتلة وتحرير الشعب العربي الفلسطيني من نير الاحتلال الصهيوني.

وعلى الصعيد الفلسطيني الداخلي فإن تحرير الصحافي البريطاني أيضاً يدعونا للالتحام والالتفاف نحو الهدف المشترك والرابط لكل القوى الوطنية والإسلامية في فلسطين وخارجها من اجل فلسطين بغض النظر عن الاختلاف في وجهات النظر وبعيدا عن الأفق الضيق لأي تنظيم فئوي أو عقائدي. آلان جونستون، نبارك لك حريتك ويسعدنا فرحك ورجوعك إلى أهلك سالما والبسمة تعلو شفتيك ونرجو منك خاصة ان تعمل على إعادة البسمة لعشرات الآلاف من أبناء وأمهات كل الأسرى والمعتقلين في فلسطين المحتلة وغيرها.

musaabueid@hotmail.com