من الأفكار المثيرة في كتاب الدبلوماسية للسياسي الأميركي الداهية هنري كيسنجر أن العمل في ظل انهيار إمبراطورية هو من أصعب المهام التي يمكن أن تنجزها المؤسسات الدبلوماسية.

وخلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر شهدت أوروبا تجربة عرفت بـ (مشكلة الرجل المريض) وهو تعبير أطلق على عملية تمزيق الدولة العثمانية في عملية طويلة معقدة لم تخل من الدماء والحروب الضارية والصراعات الأهلية والعمليات القذرة من المستشرق الجاسوس أرمينيوس فامبري إلى الجاسوس الأسطوري لورنس الشهير بلورنس العرب. وعقب انهيار الاتحاد السوفييتي حدثت عملية تقطيع لأخطبوط ضخم من البنى السياسية والأمنية السرية وشبه السرية كانت أقل دموية مما توقع كثيرون لأنها بقيت حتى النهاية تحت السيطرة وحكمها منطق عقلاني.

الرجل العربي المريض

ومنذ إطاحة النظام البعثي العراقي ظهر في الخطاب التحليلي العربي ـ على استحياء ـ تشبيه النظام الرسمي العربي بالدولة العثمانية في مرحلة ضعفها وتشبيه ما يحدث في ملفات مثل لبنان وسوريا والسودان بعملية تفكيك الدولة العثمانية، ومن ثم بدأ بعض المحللين يستخدم تعبير الرجل العربي المريض، والتوسع في استخدامه يزداد بوتيرة ملحوظة.

والأهم من هذا المنحى التحليلي الذي قد يكون هناك ما يعززه أن المنطقة على ما يبدو تشهد تابعا من توابع هذه العملية وهو تقطيع الأخطبوط الضخمة المرتبط بـ الرجل العربي المريض وقد كانت أول ملامح ظهور أذرع الأخطبوط القوية الصعود المدهش لعديد من الجماعات المسلحة في العراق بعد الغزو بقليل بحجم كبير وتدريب راق وتسليح وفير وقاعدة واسعة من المقاتلين تؤكد أن هذه التنظيمات لم تولد مع الغزو الغربي.

ومن يقرأ الصحافة المصرية عقب مصرع السياسي المصري الراحل أشرف مروان يشعر إلى أي حد يشعر المصريون مثلا بأن شيئا ما غامضا وضخما يحدث. وإلى أن أعلن الرئيس مبارك أن مروان لم يكن جاسوسا بل قدم خدمات أمنية جليلة لم يحن بعد أوان الكشف عنها، امتلأت الصحافة المصرية بتحليلات ومقالات عن شرفات لندن في إشارة إلى النهاية المأساوية لكل من: اللواء الليثي ناصف قائد الحرس الجمهوري المصري السابق والممثلة المصرية الراحلة سعاد حسني والسياسي المصري المعروف أشرف مروان، وجميعهم قضى نحبه بالسقوط من شرفة مبنى في العاصمة البريطانية.

وقد امتدت القائمة لتشمل علي شفيق مدير مكتب المشير عبد الحكيم عامر سابقا الذي اغتيل في مكتبه بلندن والمهندس الاستشاري المصري ممدوح حمزة الذي كان بطل قصة مفعمة بالإثارة والغموض في لندن أيضا والصحافي المصري رضا هلال الذي اختفى في القاهرة قبل سنوات. وربما اتسعت الدائرة أكثر ليربط البعض بين هذه الحالات والوفاة المفاجئة لشريف الفيلالي المصري المحكوم عليه بالسجن مدانا بالتجسس لإسرائيل، أو بينها وبين الاتهام الذي وجهه أحد قيادات حركة حماس لمحمد دحلان بالتورط في اغتيال الراحل ياسر عرفات.

والشواهد المشار إليها وغيرها تعبير صارخ عن إحساس متصاعد بأن شيئا ما يجري تم تخطيطه ويتم تنفيذه بدرجة عالية من الاحتراف والقسوة وهي ترجمة لفكرة تمزيق الأخطبوط وهي عملية تدور فصولها في عدد من عواصم العالم.

في نفق السرية

والسياسة العربية دخلت نفق السرية المظلم منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر عندما أصبحت بيانات تنظيم سري هو تنظيم القاعدة أكثر تأثيرا في مجريات الأحداث من المواقف الرسمية المعلنة للحكومات والدول وأصبحت شرائط الفيديو الغامضة على شاشة إحدى الفضائيات قادرة على حفر مجرى عميق لتسير فيه السياسة العربية مغرقة أكثر في السير في نفق السرية مسافات أبعد. وعندما اغتيل الرئيس الشهيد رفيق الحريري ظهر على السطح ـ وأيضا من خلال شريط فيديو مشبوه ـ تنظيم جند الشام بهذه القدرة التنظيمية التي تمكنه من اغتيال شخص في وزن الحريري ومخترقا كل نظم التأمين بهذا النجاح ليشير إلى أذرع للأخطبوط.

وقد حدث فجأة أن أعلن الناطق الرسمي باسم عصبة الأنصار الإسلامية في لبنان، أبو شريف عقل، انه لم يعد هناك من وجود لما يسمى جند الشام التي وقع اشتباك دام بينها وبين الجيش اللبناني في مطلع يونيو الماضي. وأكد الناطق أنه تم حل هذه المجموعة ووضع عناصرها تحت إمرة القوى الإسلامية في مخيم عين الحلوة وقال الناطق لم يعد هناك شيء اسمه جند الشام، مشيرا إلى أن تلك المجموعة كانت تعمل لجهات استخباراتية، وتوقفت الآن، دون إيضاح القصد من هذا الكلام!!. (الشرق الأوسط اللندنية2 يوليو 2007).

وقبل هذا الإعلان المفعم بالغموض تكرر في بيانات رسمية صادرة عن جهات رسمية عربية توجيه الاتهام لـ أيدٍ خفية بِإشعال الصراع السياسي في لبنان وفي الأرض المحتلة بين فتح وحماس، وهكذا احتلت الأيدي الخفية واجهة المشهد وأصبح الغموض سيد الموقف ودخلت السياسة العربية نفق السرية.

حريق نهر البارد

والحريق الذي اشتعل في نهر البارد يمكن اعتباره هو الآخر فصلا من فصول عملية تقطيع الاخطبوط فالتنظيم معلوم مجهول تسليحه وتدريب رجاله وأجندته السياسية موضوع للقيل والقال أكثر مما هي موضوع للتحليل وولاءاته موضوع للاتهام والغمز وزعيمه كان يساريا ثم أصبح إسلاميا متشددا وفي الحالتين لا تتوفر معلومات كافية عنه، فهناك سلاح وجنود وهيكل تنظيمي متماسك أو قل حديدي لكن لا يوجد الحد الأدنى من الوضوح بشأنه، ومثل هذه الأشباح تظهر وتشعل حرائق سياسية ضخمة ثم تتبخر على نحو ما رأينا في التصريح الخاص بتنظيم جند الشام.

والعنف كأداة لتنفيذ أجندات سياسية يكتسب في الواقع العربي باستمرار وزنا نسبيا أكبر سواء بالاغتيال أو الخطف أو التفجير أو الصراع العسكري المفتوح وهذه المفردات لا مكان لها في قاموس السياسة في مجتمع يسوده القانون ويتأسس على قاعدة الممارسة الديمقراطية في تداول السلطة والرقابة عليها والشفافية، فهناك غياب للثقة والمعلومات، وقد تكون هذه المواقف كلها أو بعضها وقائع منفصلة وقد يكون في منهج التفسير السائد مبالغة لكنها نتيجة طبيعية للمناخ السياسي العربي الذي لم يزل ينتقل من سيئ إلى أسوأ، والأسوأ أن الأزمة بدأت سياسية وانتهت أزمة فكرية وعقلية عميقة. ولله الأمر من قبل ومن بعد!

كاتب مصري