قد تبدو كلماتي عليكم اليوم ثقيلة، ولكنني اعتدت أن أشاطركم أفكاري في الفرح والهم معا. عندما بدأت كتابة هذه الزاوية تلاشت كل الأفكار وتبعثرت، فالفكرة الوحيدة التي تسيطر علي هذه اللحظة هي صورة تلك المرأة الممددة على سريرها في المستشفى وهي تختصر قصة حياة كانت نموذجا لمعاناة أم عظم صبرها وطال انتظارها للفرج المتمثل في رؤية أبنائها شبابا وشابات ينهضون بأنفسهم وبها بعد أن يتقدم بها العمر. غريبة هي الأقدار، فعلى الرغم من إيماننا بها إلا أننا نعاني أحيانا مما تخطه لنا.
المرأة، التي أتحدث عنها، عانت كثيرا، اجتماعيا ونفسيا، ماديا وصحيا، لكنها لم تستسلم لأنها آمنت بأن رب الناس سينصفها. كانت كلما وقعت أو تعثرت نهضت من جديد وهي تردد: عزائي الوحيد هم هؤلاء الأبناء، أربيهم وأعلمهم واضمن لهم مستقبلا لا يحتاجون فيه لمخلوق. كبر الأبناء وأصبح كل منهم يشغل وظيفة ليتمكن من رد الجميل لهذه الأم العظيمة، لكن هذه اللحظة جاءت على عكس توقعات الجميع وفوق طاقتهم.
مرض السكري لم يرحم ضعفها ولا قلة حيلتها، بل أخذ منها الكثير وتركها طريحة السرير، أبناؤها من حولها يقدمون كل ما يملكون من مال لتتماثل للشفاء وتعود لمنزلها لتحظى بعنايتهم ويقوموا برد الجميل الذي وعدوها به، لكن ماذا يملك شباب في مقتبل العمر وبداية حياتهم العملية لينقذوا حياتها؟ وما عساهم أن يفعلوا ليجعلوا عينيها تكتحل برؤيتهم من جديد؟ إنهم لا يملكون سوى الدعاء لها والوقوف بجانبها في موقف يتقطعون فيه ألف مرة وهم يرونها تتألم ولا يملكون إيقاف نزيف الألم رغم كل ما يبذلون ويقدمون، وبعد أن سخرت سنين طويلة من حياتها لتربيتهم والإنفاق عليهم.
لقد احتملت هذه المرأة حياة زوجية عسرة وظروفا مادية صعبة، وغربة لا يحتملها إلا مناضل تهون عليه الصعاب عندما يتذكر أهدافا يسعى إليها، وعندما تكون هذه الأهداف كلها راحة وسعادة أبنائه وفلذات كبده. مرت السنون عليها وكبر الأبناء دون أن تنقطع عن عطائها.
كثيرون من أبناء الدولة وبناتها يذكرونها في طفولتهم تلك التي جمعتهم بها في إحدى المدارس الخاصة، لا نعرف كم من الطلاب مروا عليها، ولا نعرف كم من الطلاب الذين شملتهم بعنايتها وحنانها كأم أكثر من كونها مشرفة تتدبر أمورهم.
ابنتي عائشة التي لم تتجاوز الثامنة، عندما علمت بحالة مرضها وترديها إلى درجة صعبة الاحتمال بكت وقالت: لا أتخيل المدرسة دونها! كانت لأطفال المدرسة الأم، كلما شعروا بمرض أو تعب أو احتاجوا شيئا، كانت ومازالت بالنسبة لهم الأم الروحية التي تملأ أرجاء المدرسة راحة وطمأنينة، فهي لا تمل من متابعتهم ولا من إزعاجهم، ولا ينأون عنها رغم الحزم المعروف عنها، لأن الجميع يتعامل معها على انها أم وليست مجرد مشرفة.
لا أريد أن أثقل عليكم أو افسد يومكم بقصة حزينة كهذه، لكن ما أرجوه منكم هو الدعاء لهذه السيدة التي لم تدخر جهدا ولا عطاء لهذا الوطن ولا لأبنائه. دبي بأبنائها تعرفها، فمسيرتها كانت مسيرة في العلم اختلطت بالحب والعرق معا. ادعوا أن يخفف الله عنها، وأن يشفيها ويردها إلى أبنائها سالمة معافاة.
