بوصول الاسرى الأردنيين الأربعة الى وطنهم يمكن القول في قناعة كاملة وفي غير مبالغة ، إن الدبلوماسية الأردنية سجلت لنفسها نقطة ثمينة ليس فقط في تأمين عودة اسرانا الى بلدهم وانما أيضاً في رفض الذريعة الاسرائيلية بابقاء هؤلاء الشباب خلف القضبان وفي عتمة السجون وضرورة تنفيذ الأحكام الصادرة بحقهم .. وهو الأمر الذي أوعز جلالة الملك عبدالله الثاني شخصياً الى الحكومة وكل أجهزة الدولة ومؤسساتها بمتابعته في شكل حثيث وعدم إضاعة أي وقت من اجل تأمين عودة الأسرى الى بلدهم.

وبعيداً عن لغة الشعارات والمزايدات والنضال على شاشات الفضائيات وتدبيج المقالات الحافلة بالجمل البلاغية وعبارات الرفض التي لا تكلف أصحابها شيئاً وتدخل بالتأكيد تحت باب تسجيل المواقف، فإن هذه ''العودة'' ما كان لها ان تتحقق لو أن الدبلوماسية الأردنية اختارت لنفسها طريق الصمت واصدار البيانات على عادة دول عديدة تكتفي بتخدير أُسر الأسرى والمفقودين والمغيبين فيما لا تحرك ساكناً لمعرفة مصائرهم..

ثم إن الأجهزة الأمنية الأردنية بل دائرة المخابرات العامة تولت متابعة ملف الأسرى الأردنيين منذ وقت طويل وأخضعته لفحص دقيق من مختلف جوانبه القانونية والسياسية والاجتماعية وتداعياته واستطاعت بحق ان تفتح ثغرة واسعة في جدار الرفض الاسرائيلي لأي مقاربة او حديث في هذا الشأن لأن أيديهم ملطخة بدماء الاسرائيليين كما دأبت حكومتها ونخبتها السياسية والحزبية على قوله ورأينا كيف حاولت جهات متطرفة عرقلة تنفيذ عودة الأسرى الأردنيين عندما تم رفع اعتراضات لمحكمة العدل العليا قد تأمر بالغاء هذا القرار .. لكنهم عادوا ..

عادوا الى وطنهم لتحتضنهم عائلاتهم واصدقاؤهم وأبناء شعبهم بدل ان يقضوا سنوات طويلة - كما قضوا - في سجون الاحتلال التي لا توفر لهم الخدمات او الرعاية الصحية وهم سيكونوا في بلدهم موضع رعاية وعناية ويستطيع كل فرد من أبناء عائلاتهم أن يزورهم طوال المدة التي سيقضونها والتي لن تكون طويلة بالتأكيد وهي ستخضع لاعتبارات عديدة نعلم ان كل اردني يدرك ان جلالة الملك عبدالله الثاني كان قد وجه الحكومة منذ اليوم الأول لتولي سلطاته الدستورية بأن تتابع شؤون الأردنيين في كل مكان وان تقدم له السفارات والقنصليات الأردنية على امتداد المعمورة كل الخدمات والمعونة التي يحتاجها وبما يحفظ كرامته وحقوقه دون افتئات أو اعتداء عليها من أي جهة كانت ولم يكن الأسرى الأربعة استثناء بل كانوا موضع اهتمام ومتابعة ورعاية من الحكومة في شخص رئيسها ووزارة الخارجية على كافة مستوياتها وسفارتنا في تل أبيب وايضا من قبل دائرة المخابرات العامة التي تابعت المسألة منذ اوائل تسعينات القرن الماضي وشكلت خلية أزمة لمتابعة ملف الأسرى الاردنيين ورأينا كيف تكللت هذه الجهود عندما استنشق اسرانا الأربعة هواء وطنهم وعانقوا الحرية والتقوا أسرهم وأحبتهم وتم تقديم الرعاية الصحية لهم في شكل دقيق ومهني وهم الذين عانوا الكثير في سجون الاحتلال ولم يتلقوا الرعاية الصحية التي ترتبها معاهدة جنيف الرابعة وشرعة حقوق الانسان..

ولعل اكثر ما يثير الغضب والاستغراب في الوقت نفسه هي تلك الأصوات التي يطيب لأصحابها ان يذكروا أبناء شعبنا بها وهي اصوات لا نحسب ان أحدا في هذا الوطن الطيب يجهل أجندتها والأهداف التي تحركها والمصالح الضيقة التي تحكمها والجهات التي تحركها..

والا كيف يمكن لعاقل ان يصدق ان عودة أسرانا الى وطنهم انما يشكل تنازلا أو خدمة لاسرائيل..

أي تنازل وأي خدمة هذه.. اذا كانت اسرائيل طوال سبعة عشر عاما قد رفضت مجرد البحث في الافراج عنهم وعرقلت بشتى الوسائل والمقاربات التي كانت تطرح فما الذي اجبرها اذا على مثل هذه الخطوة التي تشكل بالفعل كسرا لقاعدة لم تتخل عنها اسرائيل منذ عقود طويلة؟.

ثم اذا كان البديل هو ان ''يتعفن'' اسرانا في سجون الاحتلال فأين الخطأ أو التنازل في تقصير مدة محكوميتهم والابقاء عليهم في ظروف انسانية مريحة وتوفر الامكانية لالتقاء عائلاتهم وأفراد أسرهم وذويهم، ناهيك عن أن اطلاقهم ومعانقتهم الحرية في شكل نهائي ستكون واردة في أية لحظة اذا ما عقدت صفقة لاطلاق أسرى فلسطينيين أو عرب في أي وقت.. دون ان نهمل للحظة ان هؤلاء أردنيون وان قائد الوطن الذي تابع ملفهم بدقة وفي شكل حثيث ينظر اليهم بعين الاب والأخ والقائد وهم موضع عنايته ..

آن الأوان لان نرتقي بالعمل السياسي والحزبي الى المستويات والآفاق الأخلاقية وبمسؤولية عالية بعيدا عن المزايدة او الانفعال والتشاؤم والعدمية وخصوصاً اننا نتحدث عن شباب قضوا زهرة أعمارهم خلف القضبان وان استمرار بقائهم في سجون الاحتلال كانت قائمة لولا المثابرة الاردنية والاصرار الاردني على اعلى المستويات للتوصل الى ''تفاهم'' حول هذه القضية التي احتلت مرتبة متقدمة على جدول الاعمال الوطني بفضل متابعة الحكومة واجهزتها ومؤسساتها وبفعل - وهنا نذكر بتقدير - ما قامت به مؤسسات المجتمع المدني بما في ذلك منظمات حقوق الانسان وهو الأمر الذي توج في النهاية بعودة هؤلاء الأسرى الى وطنهم.