يقوم الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بزيارة إلى الجزائر في العاشر من يوليو الجاري لبحث العديد من الملفات وعلى رأسها ملف تموين الجزائر لفرنسا بالغاز الطبيعي. والسؤال الذي يطرح نفسه حول هذه الزيارة هو ما هي الأهداف التي يصبو إلى تحقيقها الرئيس الفرنسي الجديد خاصة وأن العلاقات بين الجزائر وفرنسا تميزت خلال العقود الأربعة الماضية ببرودة ورتابة قاتلة فتارة تهدأ الأمور وتارة أخرى يسودها التوتر.
ساركوزي يزور الجزائر وهو الذي رفض انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، وهو الذي قدم ودافع عن مشروع الهجرة الانتقائية، وهو الذي يحاول أن يتخلص من عدد كبير من المهاجرين الجزائريين والمغاربة المقيمين في فرنسا. ساركوزي يزور الجزائر وهو يحمل ثلاثة ملفات لا ترضي الطرف الجزائري. الملف الأول يتعلق بتعنت فرنسا حول موضوع الاعتذار عن جرائمها خلال فترة احتلال الجزائر. فالرئيس الحالي لفرنسا رفض رفضا قاطعا الاعتذار في إحدى زياراته للجزائر عندما كان وزيرا للداخلية قائلا إن الأبناء ليسوا مسؤولين عن أخطاء الآباء.
من جهة أخرى، يعتبر ملف الهجرة نقطة سوداء في سياسة ساركوزي الذي يحاول بكل الطرق والوسائل «تنظيف شوارع فرنسا» من العناصر المخلة بالنظام والأمن العام على حد تعبيره. أما النقطة الأخيرة والتي تؤخذ على فرنسا فهي انحياز باريس لصالح المغرب في قضية الصحراء الغربية. هل يشفع كل هذا لفرنسا لتبني كما تدعي شراكة استثنائية مع الجزائر؟ وهل يشفع تعيين وزيرتين من أصل مغربي وجزائري في الحكومة الحالية لبناء علاقات قوية بين فرنسا والجزائر.
شعارات الحرية والمساواة والعدالة التي تتغنى بها فرنسا تواجه اصطداماً في عهدة ساركوزي بتحديات كبيرة جدا في أرض الواقع حيث تعيش هذه الشعارات تناقضات صارخة وتعاني من وهم كبير وواقع ما زال لم يقتنع بأن فرنسا هي مجتمع متعدد الأعراف والديانات والأقليات شاء من شاء وكره من كره.
فالتاريخ يقول إن رجالا من دول مختلفة، وخاصة مستعمرات فرنسا في شمال إفريقيا والقارة السمراء وغيرها شاركوا في صفوف الجيش الفرنسي في الحرب العالمية الأولى وساهموا في تحرير المجتمع الفرنسي من النازية والفاشية أثناء الحرب العالمية الثانية.
لكن فرنسا اليوم لا تعترف بهذا الجميل حيث إنها تعامل أبناء وأحفاد الرجال الذين حرروا وشيدوا على أنهم أشخاص من الدرجة الثانية أو الثالثة وأنهم لا يمكنهم بأية حال من الأحوال أن يكونوا فرنسيين وأنهم غير مرغوب فيهم في فرنسا.. الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يروج لقانون «الهجرة المختارة» قانون يتناقض جملة وتفصيلا مع حقوق الإنسان ومع المبادئ التي قامت عليها الثورة الفرنسية. هذا ليس غريباً على فرنسا حيث إنها كافأت الجزائريين الذين حاربوا في صفوفها إبان الحرب العالمية الثانية بقتل 45 ألفاً من الأبرياء العزل في 8 مايو 1945 عندما خرجوا في مدن قالمة وخراطة وسطيف يتظاهرون ويطالبون فرنسا بالوفاء بوعدها ومنحهم الاستقلال.
مظاهرات ضواحي باريس قبل سنتين بعثت رسالة مفادها فشل فرنسا في إدماج الجيل الثاني والثالث من أبناء رعايا مستعمراتها السابقة والذين يعتبرون فرنسيين حيث إنهم وُلدوا في فرنسا وتربوا وترعرعوا فيها ويحملون الوثائق الرسمية الفرنسية. لكن رغم الوعود والشعارات ورغم التصريحات العديدة فشل المجتمع الفرنسي في إدماج الجاليات المختلفة التي اختارت فرنسا أرضا لتعيش فيها.
ففرنسا التي تدعي الحرية والمساواة والأخوة غير جاهزة وغير مستعدة لقبول الآخر وفشلت في إدماجه رغم أنها طلبت منه أن يذوب في المجتمع الفرنسي والثقافة الفرنسية من خلال سياسة الاندماج التي فرضتها عليه. فكيف تتكلم فرنسا عن معاهدة الصداقة مع الجزائر وهي لا تؤمن بمبدأ الاحترام الآخر؟ ثم كيف تنوي بناء شراكة استثنائية مع الجزائر وهي تعمل على تطبيق سياسة الهجرة الانتقائية؟ فرنسا مع الأسف الشديد ما زالت تتعامل مع الجزائر بذهنية المستعمر (بكسب الميم).
فالمتتبع اليوم لما يجري في دولة بحجم فرنسا وتاريخها ووزنها على الساحة الدولية ـ الدولة التي عارضت الحرب على العراق والدولة التي تتغنى بالديمقراطية وبحقوق الإنسان وبالحرية ـ يلاحظ العنصرية والإقصاء والتهميش والفشل الكبير في عملية إدماج الآخر. فقانون «الهجرة المختارة»، ومهندسه الحقيقي هو الرئيس الحالي نيكولا ساركوزي، يعبر عن النية الحقيقية لدولة لا تريد إدماج الآخر والاعتراف بالجميل الذي قدمه أبناء مستعمراتها في إفريقيا وأرجاء أخرى من العالم في عملية تحريرها من النازية والفاشية وفي عملية البناء والتشييد.
وهم المساواة وواقع التمييز يعكسان أطروحة منظر الإمبريالية الفرنسي «جول فيري» الذي قسم الشعوب والأمم إلى شعوب متحضرة ومتفوقة خُلقت لتقود شعوبا وأمما أخرى متخلفة وجاهلة وغير قادرة على إدارة وحكم نفسها بنفسها. قانون الهجرة المختارة وأعمال الشغب التي شهدتها فرنسا قبل سنتين، مؤشرات تعكس أزمة ضمير وأزمة في العلاقات بين فرنسا والدول الأخرى، خاصة مستعمراتها التي عانت الكثير من سلبيات الاستعمار الغاشم.
فرغم التطور المادي والتكنولوجي الذي شهدته البشرية في العقود الأخيرة، ما زالت المنظومة الدولية تعاني من غياب التسامح والتفاهم والحوار واحترام الآخر بغض النظر عن عرقه ولونه ودينه ومعتقداته. زيارة ساركوزي للجزائر جاءت بهدف الترويج لاتحاد متوسطي الهدف منه ضمان محاربة الهجرة غير الشرعية لأوروبا وضمان الغاز الجزائري في إطار سياسة الأمن الطاقوي الفرنسي وأخيرا الحصول على امتيازات في إطار الشراكة مع بلدان الضفة الجنوبية من البحر الأبيض المتوسط.
هناك جدال كبير في الأوساط السياسية الفرنسية وأوساط صناع القرار، فمن جهة هناك اليمين الذي يطالب بالهجرة المختارة والاستبعاد المنظم للأشخاص الذين لا يتوفرون على وثائق شرعية، ومن جهة أخرى هناك اليسار الذي يرى أنه بإمكان فرنسا الاستفادة من الهجرة. وبين هذا وذاك يدرك الملاحظ أن اليمين الفرنسي، الذي يحكم بقوة هذه الأيام فرنسا لا يؤمن بشعارات الجمهورية الخامسة وببعض المبادئ التي قامت عليها الثورة الفرنسية حيث إن هناك فجوة كبيرة جدا بين شعار المساواة والعدالة وواقع التمييز الذي تعاني منه الجاليات في فرنسا.
فشلت فرنسا إلى حد كبير في علاقاتها مع مستعمراتها القديمة وخاصة الجزائر، واستفادت دول أخرى من هذا الفشل مثل الولايات المتحدة الأميركية وإسبانيا وإيطاليا. يعيش في فرنسا اليوم أكثر من خمسة ملايين مسلم وأكثر من أربعة ملايين من السود وأكثر من أربعة ملايين عربي. لكن هذا التنوع لا يعني الكثير لفرنسا الرسمية التي تنظر لهذه الجاليات والأقليات بعين الازدراء والاحتقار والتهميش والتمييز المنظم. على عكس العديد من الدول المتقدمة والتي تعيش فيها شعوب من مختلف الأجناس والأعراق والديانات (الولايات المتحدة الأميركية، بريطانيا، أستراليا،، كندا، وغيرها كثير) فشلت فرنسا منذ أكثر من خمسة عقود في عملية إدماج وصهر هذه الجاليات في الجمهورية الفرنسية.
وما زالت فرنسا الرسمية تتخبط في أيديولوجية الإقصاء والتهميش وعدم الاعتراف بالآخر مهما كانت الظروف والاعتبارات. فالوثائق الرسمية تعترف بفرنسية ملايين المهاجرين من عرب وأفارقة ومسلمين، لكن فرنسا الرسمية تعتبر هذه الفئة غير فرنسية مئة% وتبقى من الدرجة الثانية أو الثالثة. والأخطر في هذه الإشكالية هو النخبة المثقفة الفرنسية والمفكرون الفرنسيون الذين يصرون على التفوق العرقي والثقافي الفرنسي ما عدا قلة قليلة من اليسار التي تحاول بكل ما أُتيت من قوة تصحيح هذا الوضع لكن بدون جدوى.
مهمة صعبة تنتظر ساركوزي في الجزائر حيث نلاحظ جملة من التناقضات بين ما يريد تحقيقه لخدمة مصلحة بلده وما يطبقه من سياسات تضر بمئات الآلاف من الرعايا الجزائريين في فرنسا وبذلك مصالح الجزائر نفسها، ناهيك عن غطرسته إزاء موضوع الاعتذار عما قامت به فرنسا في الجزائر طيلة 132 سنة من الاستعمار. فالعلاقة بين اليمين الفرنسي والجزائر اتسمت عبر السنين بالتوتر والبرودة، فهل يستطيع ساركوزي كسر القاعدة والشروع في تأسيس علاقات مبنية على الاحترام المتبادل ومنفعة ومصلحة الطرفين؟
كلية الاتصال
جامعة الشارقة