يقدم السودان نموذجاً جديداً وطريفاً للاستمرار في السلطة وتجديد روح الحكم من خلال إعادة إنتاج الأزمات باستمرار. وكان آخر الأزمات، تلك التي استمرت أكثر من عام ونصف العام، وهي رفض قبول إرسال قوات دولية لحفظ الأمن في دارفور. وانشغل المجتمع الدولي بأزمة دارفور،أما في الداخل فقد تم تجميد جميع القضايا المهمة بدعوى: لا صوت يعلو فوق صوت معركة السودان ضد المؤامرة الدولية.

وهذه هي حيلة عتيقة تستخدمها الحكومات في إسكات وابتزاز المعارضين. وبالفعل استطاع نظام الإنقاذ في السودان خلال تلك الفترة تجميد عملية إنفاذ اتفاقية السلام الشامل خاصة فيما يتعلق بالتحول الديمقراطي، وذلك بإلغاء كل القوانين المتعارضة مع دستور 2005. ورغم كل الضجيج والتوتر، قررت حكومة الخرطوم بهدوء، قبول ما سمي -داخليا- بالقوات الهجين، وخارجيا بالقوات الدولية المشتركة، أو بالدولية فقط.

يذكرني سلوك النظام السوداني بسياسة حافة الحرب التي اشتهر بها وزير الخارجية الأميركية الأسبق جون فوستر دالاس في منتصف القرن الفائت وفي ذروة الحرب الباردة. فقد كان يصل بالتوتر درجة يظن الجميع ان الصدام واقع لا ريب فيه، وإذا به يجد لنفسه مخرجا بقدر الانتصار وهو ليس كذلك. النظام السوداني كثيرا ما يضطر إلى تراجع غير منتظم ، ولكن طريقة اتخاذ القرار من البداية عشوائية ولا تخضع لأي نوع من المؤسسية. والأخطر من ذلك، يبدو لي ان هناك من يعتقد بوجود قوي خارقة تشارك في صنع قرارات الإنقاذ، بل وتباركها. وإلا كيف يمكن ان نفسر خروج الإنقاذ من مآزق كثيرة وصعبة .

ومن آليات نجاعة وفعالية الحكم بالأزمات، ألا تنقطع أو تتوقف الأزمات أبدا، إذ من المفروض ان تكون الجماهير مشغولة باستمرار. وهذا ما يحدث الآن، فالتفكير الطبيعي هو ان تهدأ الجبهة الداخلية حين يواجه الوطن أزمة في حجم دارفور. ولكن ما يحدث الآن عكس ذلك تماما. واجه النظام مشكلات ومصادمات وصلت حد إطلاق النار وقتل المواطنين الأبرياء بسبب مظاهرات واحتجاجات سلمية. حدث هذا في النيل الأبيض، وفي سد مروي، وفي كجبار. وتزامن مع ذلك، تدفق الوفود الدولية لان مشكلة دارفور قد وصلت ذروتها ونفد صبر العالم وأصبح لا يستطيع قبول مناورات وتسويفات جديدة. وهكذا.

وهناك آلية أخرى لامتصاص صدمات الأزمات، وهي تشكيل لجان التحقيق. وتضيع الجهود حول تكوين اللجان نفسها ومدى حياديتها وصلاحيتها. وتدخل الأزمة مجددا في مسارب جانبية ويضيّع الأمر الجوهري، أو يصبح على الأقل في مستوى نقاشات شكلية وإجرائية.

تدل طريقة الحكم بالأزمات على ان النظام الحاكم لم يعد يمتلك استراتيجية بعيدة المدى، أو مشروعا، أو أيديولوجية محددة.، يجرب القرارات ويحكم على صحتها حسب نفعها أو كونها عملية، بدون أي مرجعية تسند القرار. فمن المعروف عن هذا النظام أنه استهل عهده بشعارات إسلامية صارخة، تم على ضوئها تصنيفه كنظام إسلامي معاد للامبريالية..

ولكنه تعرض لضغوط داخلية وخارجية أجبرته على التراجع عن كثير من سياساته، خاضها بعد المحاولة الفاشلة لاغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس ابابا في صيف1996. ثم جاء الانقسام بين جناحيّ الترابي والبشير نهاية عام1999. وأخيرا كانت اتفاقية السلام الشامل في مطلع 2005. وخرج النظام من هذه التطورات منهكا وحائرا، فقد ضاعت منه البوصلة الفكرية والمنعة السياسية، ولم يستمر في السلطة نتيجة قوته الذاتية ولكن بسبب ضعف خصومه ومعارضيه بما فيهم شريكه الحالي الحركة الشعبية لتحرير السودان.

أصبح النظام ـ حسب لغة التجارة ـ يحكم بالقطاعي أو التجزئة، أو رزق اليوم باليوم. وهنا تظهر فعالية الحكم بالأزمات، اذ تظهر أزمة أو مشكلة ينشغل بها الناس فترة ثم ينتقلون الى أخرى. وهكذا حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. وهذه حالة من عدم الاستقرار واللايقين في تحديد ملامح المستقبل يعيشها السودانيون ويستغلها النظام جيدا في السيطرة والهيمنة.

فقد تسببت هذه الحالة من التيه في قدر كبير من اللامبالاة (او ما يسميها السودانيون في اللهجة المحلية الدهولة). وتسببت كثرة الأزمات والطرق غير المنطقية في حلها في اهتزاز وعي المواطنين، وافقدهم القدرة على التحليل الصحيح والتوقعات الجيدة اي الممكنة التحقق.

كاتب سوداني